{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) } أي من أمة أو جيل أو جماعة هم أحسن أثاثًا الأثاث متاع البيت وهو من أبهي صور الزينة، وفيه يتنافس أهل التفاخر والتباهي، (وَرِئْيًا) أي منظرًا وهيئة فليست العبرة بالأثاث الفاخر أو الجمال الظاهر.
يقول صاحب الظلال:"إنها النوادي الفخمة والمجامع المترفة؛ والقيم التي يتعامل بها الكبراء والمترفون في عصور الفساد، وإلى جانبها تلك المجتمعات المتواضعة المظهر والمنتديات الفقيرة إلا من الإيمان، لا أُبَّهةَ ولا زينة، ولا زخرف، ولا فخامة. . هذه وتلك تتقابلان في هذه الأرض وتجتمعان!"
وتقف الأولى بمغرياتها الفخمة الضخمة: تقف بمالها وجمالها، بسلطانها وجاهها، بالمصالح تحققها، والمغانم توفرها، وباللذائذ والمتاع، وتقف الثانية بمظهرها الفقير المتواضع، تهزأ بالمال والمتاع، وتسخر من الجاه والسلطان؛ وتدعو الناس إليها، لا باسم لذة تحققها، ولا مصلحة توفرها، ولا قربى من حاكم ولا اعتزاز بذي سلطان، ولكن باسم العقيدة تقدمها إليهم مجردةً من كل زخرف، عاطلة من كل زينة، معتزة بعزة الله دون سواه. . لا بل تقدمها إليهم ومعها المشقة والجهد والجهاد، لا تملك أن تأجرهم على ذلك كله شيئًا في هذه الأرض، إنما هو القرب من الله، وجزاؤه الأوفى يوم الحساب. [1]
استدراجٌ وإمهال!
قال تعالى {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) }
من كان سادرًا في غيِّه غارقًا في ضلاله: أبقاه الله على ضلاله بل زاده ضلالًا وأمدَّ لَهُ في العطاءِ استدراجًا لَهُ، كَمَا قالَ سبحانه {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) } آل عمران: 178
وقال سبحانه {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) } آل عمران: 196 - 197
{حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) } .
(1) - في ظلال القرآن 4/ 2318