جاءت الجولة الرابعة تفنِّد عبادتهم للآلهة مع كونها لا تضر ولا تنفع، فكما يتعللون بالأماني الكاذبة، ويتعلقون بالأعراض الفانية، فإنهم يتعززون بالآلهة التي اتخذوها من دون الله، يطلبون بها القوة والمنعة، بل يدعون أنها تقربهم إلى الله زلفى.
وهذا من عجيب صنيعهم وغريب أمرهم! (كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) حين يعاينون العذاب فيكفرون بهم (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) : يتبرؤون من عبادتهم وينقلبون عليهم.
كما قال تعالى {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) } فاطر: 13 - 14
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) } مريم: 83 - 87
ثم بين سبحانه أن هناك ما يدفع الكفار إلى التمرُّد والعصيان والجحود والنكران ويغريهم بشتى الوساوس والإغراءات، فقال تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) } .
تهيجهم وتستفزُّهم وتغريهم بفتن الشهوات وتحرّكهم بالإغواء والإضلال وتقودهم وتستحوذ عليهم بسلاح الوساوس والشبهات وتزعجهم وتهيُّجهم بالهواجس والتسويل، فتزين لهم الأباطيل وتدفعهم إلى معصية الجليل.
قال صاحب اللطائف"... فخاطر الشيطان يكون بإزعاج وغُمَّة، وخاطر الحقِّ يكون بَروْحٍ وسكينة" [1] .
وفي الآية الكريمة بيانٌ لسببٍ من أسباب صدود المشركين وإعراضهم عن الحق، وعدائهم لأهله؛ باستجابتهم لوساوس الشياطين ووقوعهم في شراكهم.
وفي هذا تسليةٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين ببيان أسباب صدود المشركين وإعراضهم، والدافع وراء مقولاتهم الباطلة وأمانيهم الكاذبة، وتحذيرٌ للمشركين من هذا الانقياد الأعمى والانسياق المهين وراء الشياطين.
{فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) } نعدُّ عليهم أنفاسَهم ونحصي أعمالهم"الأنفاس في الحكم معدودة؛ فمن لم يستوف فلا انقضاء لها، وإذا انتهى الأَجَلُ فلا تنفع بعد ذلك الحِيَلُ، وقبل انقضائه لا يزيد ولا ينقص بالعلل" [2] .
(1) - لطائف الإشارات للقشيري 4/ 468
(2) - نفس المرجع 4/ 469