وعن ابن السماك أنه كان عند المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد، ولله تعالى در من قال:
إن الحبيبَ من الأحبابِ مختلسُ ... لا يمنعُ الموتَ بوابٌ ولا حرسُ
وكيف يفرحُ بالدنيا ولذتِهَا ... فتى يُعَدُّ عليهِ اللفظُ والنَّفَسُ [1] .
ثم بين تعالى مشهد المتقين وهم يُزفّون إلى الرحمن في مقابل مشهد المجرمين الذين يساقون إلى جهنم كما تساق الأنعام، فقال تعالى {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) } : يحشر المتقون بهذه الهيئة الحسنة، كما تفدُ الوفود على الملوك تبجيلًا لهم، وتفخيما لموكبهم، وتساق إليهم البشائر وتقدم لهم الهدايا والجوائز، فهم وفود إلى الرحمن، ومن شأن الوفود أن يحتفى بهم ويقابلون بالتهاني والبشائر ويتحفون بالجوائز والمكرمات وينالون الهدايا والمثوبات، فقد وفدوا على أكرم الأكرمين، وقدموا على الرحمن إخوانًا متحابين، فهم في ظلال الرحمن وفي ضيافة خالق الأكوان.
وفي مقابل هذه الصورة التي تتشوق العيون لرؤيتها وتستنشق النفوسُ عبيرَها نرى في المقابل مشهدًا مروِّعًا وموكبًا مفزعًا، مشهد المجرمين وقد صفِّدوا بالسلاسل والأغلال، وانحنت الظهور وتثاقلت الخطى، وهم يساقون إلى جهنم كما تساق الأنعام العطشى إلى موارد الماء {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) } وإنما يساقون بهذه الصورة المهينة؛ ازدراء لهم، ونكالًا بهم.
{لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) } :
لا يملكون الشفاعة لا يملك أحد في هذا اليوم شفاعة فهي لله تعالى وحده، يمنحها لمن يشاءُ ويرضى، كما قال سبحانه {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .
وقال تعالى {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) } [النجم: 26] .
وقال تعالى {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) } [طه: 109] .
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/ 150