الصفحة 64 من 73

{وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) } : نفى سبحانه عن نفسه الولد، فالله تعالى هو الغني الباقي، وإنما يفتقر الناس إلى الولد ليكون لهم سندًا وعضدا وذخرا وذكرا، يحمل اسمهم ويخلد ذكرهم ويواصل مسيرتهم ويحلُّ مكانهم ويرث أموالهم , فضلا عن الحاجة الفطرية للولد لإشباع عاطفة الأبوة أو الأمومة.

أما الخالق جلا وعلا: فهو الغني فلا يفتقر إلى أحد، وهو الملك فكل ما سواه مملوك، وهو الحي الذي لا يموت، وهو الوارث الباقي، وهو الأول والآخر.

قال القرطبي:"نفى عن نفسه سبحانه وتعالى الولد لأن الولد يقتضي الجنسية والحدوث على ما بيناه في"البقرة"أي لا يليق به ذلك ولا يوصف به ولا يجوز في حقه لأنه لا يكون ولد إلا من والد يكون له والد وأصل والله سبحانه يتعالى عن ذلك ويتقدس" [1] .

قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) } [الأنعام: 101] .

وفي التعبير باسم الله (الرحمن) في هذا المقام: إشارة إلى صبره تعالى على أذاهم وإمهاله لهم لعلهم يرجعون ويتوبون عن هذا القول الشنيع.

وفي الصحيح: عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (لَيْسَ أَحَدٌ أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) [2] .

{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) } فكلهم عبيدٌ لله تعالى، ومن لم يقرَّ بعبوديته لله تعالى وحده في الدنيا فسوف يقرُّ ويشهد حين يرى العذاب وتنقطع الأسباب.

أي أحاط بهم وجمعهم وعدهم عدًا (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) أي واحدًا متجردًًاًًًً لا ينفعه إلا ما قدم.

كما قال سبحانه {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) } الأنعام: 94

فائدة لطيفة: قال النسفي رحمه الله:"وفي اختصاص الرحمن وتكريره مرات بيان أنه الرحمن وحده لا يستحق هذا الاسم غيره، لأن أصول النعم وفروعها منه فلينكشف عن بصرك غطاؤه،"

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/ 158 ويراجع لباب التأويل للخازن 4/ 363

(2) - الحديث: رواه البخاري في صحيحه كِتَاب الْأَدَبِ بَاب الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى حديث 5748، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لا أحد أصبر على أذى من الله عز وجل، رقم: 2804

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت