فإذا أردنا أن نطبق هذه التعاريف على موضع النِّزاع -الذي سبق تحريره- ظهر لنا: أن العالم إذا تكلم بكلام، يتردد بين معنيين، دون رجحان لأحدهما، وله كلام آخر يجزم فيه بأحد المعنيين، أو يعيب فيه أحد المعنيين، فيُحمل هذا المجمل على ذاك المفصل، هذا على تعريف الأصوليين، وكذلك إذا كان الكلام ليس مترددًا بين معنيين، بل له معنى واضح، إلا أن العمل بمجرد ما وضح لنا لا يكفي، فإنه مجمل أيضًا -بناء على ما ذكره شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عن المتقدمين ـ فإن كان هناك كلام آخر يبين كيفية العمل بِهذا المجمل؛ فهذا يكون مفسرًا أو مفصلًا أو مبينا، فيحمل هذا المجمل ـ وإن كان يسمى عاما أو مطلقًا ـ على ذاك المفصل، والله أعلم.
(ولقد شنّع الشيخ ربيع -كعادته- عليّ، مدعيًا أنني لا أفهم معنى المجمل والمفصل -كما في رسالته التي أسماها بـ"إبطال مزاعم أبي الحسن حول المجمل والمفصل"ص(15) - عندما قلت: يُحمل كلام سيد قطب في أحدية الوجود، وأحدية الفاعلية - وهو كلام مجمل محتمل لمعنى مقبول، وآخر مردود - على كلامه الصريح القاطع في سورة البقرة، فلا أدري ما معنى المجمل الذي غاب عني فهمه، وظفر بفهمه الشيخ ربيع؟ أليس هذا معناه عند الأصوليين، كما سبق ذكره؟ ثم أليس هذا تطبيقي للقاعدة على كلام سيد قطب الذي ظهر لي آنذاك؟ وهكذا قال غيري من أهل العلم!! فما وجه هذا العويل، البعيد عن التحقيق وإعمال الدليل؟!.
(والذي يظهر لي: أن الشيخ ربيعًا قد وقف على إطلاقي كلمة:"المجمل"في موضع؛ كان أحد الاحتمالين فيه أرجح من الآخر، وهذا هو معنى الظاهر لا المجمل، وكان هذا الإطلاق مني ـ في بعض المواضع ـ، من باب التوسع في العبارة ـ باعتبار تعريف الأصوليين ـ ولا يلزم من ذلك عدم فهمي للمجمل عند الأصوليين -لا باعتبار صنيع المتقدمين -بدليل استعمالي الصحيح لهذا المصطلح في عدة مواضع، في هذه المسألة وغيرها، فلو سَلِمَ الشيخ مما تحمله نفسه عليَّ؛ لاستطاع أن يجد لي عذرًا، وعلى أسوأ الأحوال: أن يكون هذا خطأ لفظيا في بعض المواضع