عادة المتكلم، باطراد كلامه في توارُد استعماله معنى أَلِفَهُ المخاطِب، فإذا جاء موضع يخالفه؛ رده السامع بما عهد من عُرف المخاطِب، إلى عادته المطردة، هذا هو المعقول في الأذهان والفِطَر، وعند كافة العقلاء، وقد صرح أئمة العربية، بأن الشيء إنما يجوز حذفه، إذا كان الموضع الذي ادُّعي فيه حذفه؛ قد استُعمل فيه ثبوته أكثر من حذفه، فلابد أن يكون موضع ادعاء الحذف عندهم صالحًا للثبوت، ويكون الثبوت مع ذلك أكثر من الحذف، حتى إذا جاء ذلك محذوفًا في موضع؛ عُلم بكثرة ذكره في نظائره، أنه قد أزيل من هذا الموضع، فحُمل عليه، فهذا شأن من يقصد البيان والدلالة، وأما من يقصد التلبيس والتعمية؛ فله شأن آخر.
قال: والقصد أن الظاهر في معناه، إذا طَّرد استعماله في موارده مستويًا؛ امتنع تأويله، وإن جاز تأويل ظاهر مالم يطرد في موارد استعماله، ومثال ذلك اطراد قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ، فتأويله بـ"استولى"باطل، وإنما كان يصح؛ أن لو كان أكثر مجيئه بلفظ"استولى"، ثم يخرج موضع عن نظائره، ويَرِد بلفظ {استَوَى} ، فهذا كان يصح تأويله بـ"استولى"فتفطّن لهذا الموضع، واجعله قاعدة فيما يمتنع تأويله من كلام المتكلم، وما يجوز تأويله ...".اهـ"
ثم قال في (1/ 389) :"فصل: القسم الثالث:"
الخطاب المجمل الذي أحيل بيانه على خطاب آخر، فهذا -أيضًا- لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي بيّنه، وقد يكون بيانه معه، وقد يكون منفصلًا عنه، والمقصود أن الكلام الذي هو عُرضة التأويل، قد يكون له عدة معانٍ، وليس معه ما يبيّن مراد المتكلم، فهذا للتأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله ورسوله من هذا النوع شيء من الجمل المركبة، وإن وقع في الحروف المفتتح بها السور ...".اهـ وهذا المعنى الذي ذكره ابن القيم في هذه الفصول، انظره ـ أيضًا ـ باختصار في (2/ 743 - 745) من"الصواعق المرسلة"."
ومن خلال ما سبق نقله عن الإمام ابن القيم -رحمه الله- تتلخص لنا عدة أمور: