وجه الشاهد: لقد تخلف كعب -وهو رجل صادق- كما تخلف كثير من المنافقين وبعضُ الصادقين، والتخلف قد يكون عن نفاق وبغض للجهاد في سبيل الله، وقد يقع من الرجل الصادق الذي يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله، فلما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب تأخر كعب؛ أجاب رجل من بني سلمة, فقال: حبسه بُرداه، والنظر في عطفيه، أي جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه، كما قال النووي في"شرح مسلم" (17/ 92) وقال القرطبي في"المفهم" (7/ 96) :"... فنسب كعبا إلى الزهو والكبر"اهـ. وفي هذا اتهام لكعب من جهة صدقه وحسن بلائه لهذا الدين، فمن ثَمَّ أنكر معاذ -رضي الله عنه- هذا المعنى الذي فُهِم من كلام الرجل السلمي، كما قال القرطبي:"... وكانت نسبة باطلة، بدليل شهادة العدل الفاضل معاذ ابن جبل ..."وقال النووي:"هذا دليل لرد غيبة المسلم الذي ليس بمتهتك -أو بمنهمك- في الباطل".اهـ
هذا مع علم معاذ بأن كعبًا قد تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا إشكال فيه، إنما الإشكال في حمل تخلف كعب على معنى غير المألوف من كعب، فكعب رجل صادق، ولا يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لشيء من هذه المعاني المريبة، ولذلك فقد استدل معاذ -في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن ينكر عليه- بما هو معلوم من حال كعب، فقال:"بئس ما قُلْتَ، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرا ...".
فقد دفع معاذ هذا المعنى المريب -وهو أحد الاحتمالات التي حملت كعبًا على التخلف- بما هو معروف من صدقه وقوة إيمانه، وحضوره بيعة العقبة، التي لها شأنها في نفوس المسلمين ـوهذه قرينة منفصلة ـ فكيف يتخلف من كان كذلك، رغبة بنفسه عن نفس رسول الله صلىلله عليه وسلم؟! وهذا هو المراد، وهو أن الرجل المعروف بالخير، إذا صدر منه مقال أو حال، واشتبه في قصده في ذلك، أو في الدافع له على ذلك؛ فإنه يُدافَعُ عنه بعدة أمور، منها: الحال المعروف عنه من قبل، هذا إذا لم يظهر أن الرجل الصالح قد تغير، فالحي لا تُؤْمَن عليه الفتنة، «والقلوب