الصفحة 10 من 14

ولو تأمل المرء قليلا، فإنه سيدرك وببساطة أن تنقل الأشخاص ضمن البلد الواحد تفسح المجال واسعا للتعارف والتحاور وبلورة التصورات الآنية والمستقبلية في مختلف المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية. فضلا عن ذلك، فإن الإحتكاك بين أشخاص من جنسيات مختلفة سيكسبهم لا محالة قدرا كبيرا من الفهم والإدراك والوقوف على ثقافات الآخرين وعاداتهم ومعتقداتهم ونمط حياتهم. وهذه كلها تعمل على مد الجسور بين شعوب ذات ثقافات متباينة ليس بين الأفراد فحسب وإنما بين التنظيمات المختلفة والحكومات أيضا. وهنا تتشكل تصورات تنطلق من معطيات أقرب إلى الحقيقة منها إلى التخمين.

مما سبق يتضح بأن السياحة في الجزائر لم تحظ بأي قدر من الأهمية. فقد راهنت الجزائر في مسيرتها التنموية خلال السبعينيات من القرن الماضي على الصناعة التي تم تصورها آنذاك كما لو أنها المهدي المنتظر الذي سيخلص البلاد من مخالب الفقر والتخلف. إلا أن الحقيقة سرعان ما انكشفت وأصبحت الجزائر تواجه أوضاعا في غاية من الخطورة والتعقيد بل وجدت نفسها في مستنقع قد يتطلب الخروج منه أجيالا. وفي نفس الوقت إتضح بأن الجزائر أصبحت منطقة نفوذ للقوى الغربية والفرنسية على وجه التحديد.

إن النهوض بالأوضاع الإقتصادية تعد ضرورة ملحة ومطلبا لا يمكن الإستهانة به، وأن المصلحة الآنية والمستقبلية في ظل تزايد هبوب رياح العولمة والإندماج السريع لإقتصاديات العالم تستوجب تجنيد الإمكانات المادية والبشرية المتاحة لضمان موقع لها على هذا الكوكب. فما هي البدائل المطروحة أمام الجزائر بعد الإحباط الذي أصابها في تجربتها التنموية وبعد أن أصبحت سوقا لمختلف أنواع المنتجات الأوروبية وغير الأوروبية؟

لقد وقعت الجزائر على إتفاقية الشراكة مع الإتحاد الأوروبي وسيكلفها ذلك خسائر لا تقل عن 1.4 مليار دولار مقابل مساعدات قدرها 700 مليون دولار من الإتحاد الأوروبي. (1) وأن الإنضمام إلى منظمة التجارة العالمية سيؤدي بها إلى خسائر تتراوح بين 1.5 مليار دولار إلى 2 مليار دولار. (2) وهذا يؤكد هشاشة الإقتصاد الجزائري وعجزه عن تلبية الإحتياجات المحلية واقتحام الأسواق الدولية المهيمن عليها من طرف الشركات المتعددة الجنسيات التي تعود ملكيتها إلى الدول الغربية الأقوى إقتصاديا وتكنولوجيا وإعلاميا وحضاريا.

وفي هذا السياق تشير الأرقام بأن هناك 11000 شركة عملاقة تدير 82000 شركة فرعية سنة 1975، وارتفع هذا العدد إلى 37000 شركة تدير 207000 شركة فرعية سنة 1990. (3) وهنا قد يتساءل المرء كيف تستطيع الجزائر أن تجد ضالتها في هذا الزخم الكبير من الهيمنة الغربية في التجارة والمال والأعمال والمعرفة، في وقت لا تملك فيه الميزة التنافسية في منتجات تستطيع ان توازن بها معاملاتها مع العالم الخارجي. وكل هذا يستوجب تبني إستراتيجيات مدروسة بعناية للحفاظ على مصلحة البلاد والعباد في عالم لا يرحم.

ومن البدائل الممكن إستغلالها أو القشة التي تستطيع الجزائر أن تتمسك بها للتخفيف من متاعبها وضمان تماسكها واستمراريتها تتمثل في الإلتفات إلى القطاع السياحي وإعطائه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت