ومن البديهي أن الإختلاف من سنن الكون، إذ يجعل الحياة تتجدد والتنافس يستمر والصراع يشتد، مع ذلك يبقى الأمل في الوصول إلى ما هو أسمى هو الهدف المنشود للإنسان منذ فجر التاريخ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وسواء أكان هذا الإختلاف في الظواهر الكونية كالبحار والمحيطات والجبال والصحاري، أم في الإنسان وما يميزه عن غيره في الشكل والسلوكات والمعتقدات، كلها تجعل الكون والإنسان مادة خاما لشرائح عريضة من المجتمع البشري. فعندما نشاهد الياباني يقوم بحركات إيمائية نابعة من ثقافته وتاريخه رغم تقدمه في المجالات المادية والتقنية، وعندما نلاحظ الإفريقي في أدغال القارة السمراء يقوم برقصاته ويطلق نغماته المتميزة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أننا أدركنا حقيقة شعوب هذه المناطق للوهلة الاولى مثلما تتخيلها هي.
وعموما يمكن القول بأنه حيثما وليت وجهك تجد أصنافا من الثقافات المتباينة من مجتمع إلى آخر، وهذا التباين هو بمثابة عملية جذب لطرف ما لإستقراء ما للطرف الآخر، وهذا ما يؤدي إلى تفعيل تصورات تتبلور في مخيلة الفرد ليجسدها في أنشطة متميزة يطلق على البعض منها السياحة. وإذا كانت بعض الدول قد إهتدت إلى السياحة كوسيلة لتحقيق غايات نبيلة وطورتها وجنت من ثمارها، فإن البعض الآخر، ومنها الجزائر لا زالت مترددة. ولئن كان لهذا التردد ما يبرره خلال العقود الماضية، فإن الإستمرارية في تجاهل هذا القطاع قد يعد بمثابة تجني عن المقدرات الوطنية التي بواستطها يمكن فتح نوافذ شتى على العالم الخارجي والإستفادة منه.
وفي ورقة البحث هذه سيتم إزاحة اللثام على الوضع السياحي في الجزائر من حيث واقعه وآفاقه، محاولا الإجابة على الأسئلة التالية: هل للجزائر سياسة سياحية واضحة المعالم؟ أو ليست السياحة قطاع لا يقل أهمية عن غيره من القطاعات الإقتصادية الاخرى ومن ثم يمكن الإعتماد عليه لضمان موطئ قدم على هذه المعمورة؟ وكيف يمكن ترسيخ الثقافة السياحية شبه الغائبة في بلادنا لضمان فعالية هذا القطاع؟ وفي هذا السياق ينبغي التعرض لمحاور أساسية، منها: مفهوم السياحة والشروط الواجب توفرها، ثم أنواع السياحة وأهميتها، وفي الختام سيتم تحديد بعض الضوابط الواجب تبنيها لإرساء ثقافة سياحية ناجعة.
تتوفر الجزائر على إمكانات سياحية عظيمة، إلا أن عدم الإهتمام بها خلال مسارها التنموي حال دون الإستفادة منها والتعرف على مكنوناتها محليا ودوليا. فبالإضافة إلى تنوع التضاريس من الشريط الساحلي إلى المرتفعات الداخلية إلى الصحراء الشاسعة، وما تزخر به كل منطقة من معالم سياحية متنوعة، فللجزائر تراث تاريخي عريق إستطاع أن يتحدى تعاقب الاحقاب كالكهوف [1] والأضرحة [2] والرسوم على الصخور [3] والتي تعود إلى عهود ما قبل التاريخ.
وعندما دخل الرومان الجزائر شيدوا مدنا في شكل حاميات لا زالت تحتفظ بإبداعاتهم في الفن المعماري والتطور الثقافي، من ذلك مثلا آثار تيمقاد (باتنة) ، جميلة (سطيف) ، قالمة، تبسة، شرشال وتيبازة. كما تتوفر الجزائر على آثار إسلامية تعود جميعها إلى الفترة السابقة لدخول الإستدمار الفرنسي الجزائر، وتتجلى في المساجد [4] والأبراج والقلاع والقصور والزوايا والقبب، وكلها تعتبر آية في الفن المعماري الإسلامي ومعالم
(1) الهوامش