والشريعة (ولاية البليدة) . وهذا تقزيم لللسياحة الجبلية لسببين أساسيين: أولهما يتمثل في الواقع المناخي في الجزائر حيث أن كميات الثلوج المتساقطة محدودة جدا مما يجعل إستغلالها ظرفي، ومن ثم أصبح لزاما علينا أن نركز على المعالم الدائمة. وثانيهما أنه من الخطأ حصر السياحة الجبلية في التزحلق فقط، فهناك كهوف ومغارات طبيعية تمتد على مسافات طويلة لا نعرف عنها شيئا بالرغم من إستفادة أجدادنا القدامى منها واستغلالها المكثف من طرف مجاهدي الثورة التحريرية بإستعمالها كمستشفيات لعلاج المرضى وأماكن للراحة وإنتاج وتخزين بعض السلع كالملابس والأحذية والأسلحة.
إن خبايا المناطق الجبلية لا تقتصر على المغارات والكهوف فحسب وإنما هناك ثروات أخرى لها أهميتها للسائح مثل الحيوانات المتنوعة والطيور النادرة والينابيع المائية العذبة والتي تتميز بالبرودة صيفا والفتورة شتاء، وكل هذه تعتبر بمثابة عوامل جذب للسياح إذ تثير فيهم الفضول والرغبة في إكتشاف المكنونات السياحية التي تتوفر عليها مختلف مناطق الجزائر.
وفي الواقع، لا تحتاج السياحة الجبلية إلى إستثمارات ضخمة وهياكل مكلفة، مثلما هو الحال للسياحة الساحلية، وإنما يكفي أن تحدد المواقع التي لها جاذبيتها للسياح بالاعتماد على الإشهار وتقديم الأشرطة حول هذه المواقع وضمان سلامة السياح. ومن غير المعقول أن نجد السياح المحليين يعرفون الكثير عن مرتفعات البيرو وجبال الآلب وقمم هملايا، بينما نجدهم يجهلون ما في جبال الأوراس وجرجرة والونشريس والهقار.
تتوفر الجزائر على صحراء شاسعة بها كل المقومات الضرورية لإقامة سياحة ناجحة. ومن هذه المكونات واحاتها المنتشرة عبر أرجائها، ومبانيها المتميزة بهندستها، والسلاسل الجبلية ذات الطبيعة البركانية في الهقار حيث تتجلى عظمة الطاسيلي الشاهد على الحضارة الراقية والمجسدة في الرسوم المنقوشة على صخور لا زالت تروي للأجيال المتعاقبة حكايات شيقة وانماط عيش متميزة للإنسان الترقي (1) في تلك الازمة الضاربة في أعماق التاريخ. وثمة عامل آخر يلعب دورا حيويا في تنشيط الحركة السياحية والتظاهرات الثقافية وهو ما يعرف بسفن الصحراء (الجمال) التي تثير حب الفضول في السائح الغربي لرؤيته و/أو لركوبه.
إن إتساع الصحراء الجزائرية تستلزم تبني إستراتيجيات تختلف عما يمكن تبنيه في المناطق الشمالية. وإذا كانت هناك عوامل قد يقع عليها إجماع مثل الهياكل والأمن والخدمات، فإن هناك قضايا أكثر إلحاحا بالنسبة للسياحة الصحروية أهمها النقل البري والجوي. ولتجاوز هذا المشكل يستوجب تخصيص إستثمارات كافية لترقية المرافق الضرورية كشق الطرق وتخصيص طائرات للرحلات الداخلية بين المناطق التي يتوافد عليها السياح، وفتح خطوط دولية مباشرة لتسهيل تنقل المسافرين من وإلى هذه المناطق.