الحمد لله رب العالمين إله الأولين والآخرين وخالق الخلق ورازقهم أجمعين القائل في كتابه الحكيم {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (6) سورة هود والقائل {وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (60) سورة العنكبوت والصلاة والسلام على إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليمًا كثيرًا ... أما بعد ... فقد جعل الله سبحانه للرزق أسبابًا حسية وشرع تعاطيها ومنع من الاتكال على المكتوب وترك القيام بالأسباب الجالبة للرزق فإن المكتوب علمه عند الله ولن يأتيه بعد بذله للأسباب إلا المكتوب، ولكن ترك بذل الأسباب سفه فإنه لو أخبر بعدوٍ في طريقه وأخبر بطريق آخر يوصله إلى مراده ولا عدو فيه ثم سلك الطريق الذي فيه العدو بحجة الاعتماد على المكتوب لعدَّ سفيهًا مجنونًا، وهكذا من قال رزقي على الله ثم يسر الله له أسبابًا للرزق فتركها فإنه يعد سفيهًا مجنونًا قد سعى في إضاعة رزق الله الذي ساقه إليه، بخلاف من جاءه رزق محرم كربا وغيره فامتنع منه بحجة أن الرزق عند الله فهذا مأجور لأن هذه أسبابًا ليست شرعيةً للرزق فتركه لها يدل على ثقةٍ بالله واعتمادٍ عليه بخلاف الأول فإنه متواكل لا متكل ومتكاسل ضعيف العلم بالله ومن هنا يعرف الفرق بين التوكل والاتكال في طلب الرزق ... وإن من الأسباب والوسائل التي يحصل بها الرزق (المعاوضات المالية والتبادلات التجارية) كالبيع والإجارة والهبة والقرض والوديعة والعارية وغيرها ولقد جاء ديننا متكامل فلم يغفل هذه الأمور بل جعل لها شروطًا وضوابط تلبي احتياجات الفرد وتمنع من هضم حق الآخر ولذلك عقدت العزم على تأليف كتابٍ يبين أحكام هذه الأمور وأسميته (أحكام المعاملات المالية في ضوء الشريعة الإسلامية) أسأل الله أن ينفع به وأن يجعله خالصًا لوجهه إنه جواد كريم 0