الصفحة 37 من 49

3 -عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ» ،قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ، وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟"قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» ،ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ، وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟"قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» [1]

(1) - صحيح البخاري (4/ 29) (2856) وتهذيب صحيح مسلم- علي بن نايف الشحود (ص: 41) (30)

(كنت ردف النبي - صلى الله عليه وسلم -) الردف والرديف هو الراكب خلف الراكب (مؤخرة الرحل) هو العود الذي يكون خلف الراكب (لبيك رسول الله وسعديك) الأظهر أمن معنى لبيك إجابة لك بعد إجابة للتأكيد وقيل معناه قربا منك وطاعة لك ومعنى سعديك أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة]

كان معاذ بن جبل الشاب العابد، الأمة القانت، الشهم المجاهد الذي حضر الغزوات كلها- راكبا في سفر خلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - دابته لا يفصله منه إلا آخرة الرحل التي كان يسند إليها ظهره. وكان إردافه له تواضعا منه - صلى الله عليه وسلم - وإكراما للشباب المجاهد، فقال: يا معاذ. قال إجابة لك يا رسول الله بعد إجابة، وطاعة لك بعد طاعة. فتركه الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون أن يحدثه، وبعد أن سار ساعة قال: يا معاذ. قال:

إتجاها إليك يا رسول الله بعد اتجاه، وإسعادا بعد إسعاد، فتركه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيضا بدون محادثة. وبعد أن سار فترة قال: يا معاذ بن جبل. قال: إخلاصا لك يا رسول الله بعد إخلاص. ومساعدة غب مساعدة، فتلك نداآت ثلاث نبهت معاذا إلى العناية بما يلقى؛ وصرف الذهن إليه، وإرهاف الأذن له؛ وإيقاظ الحافظة لضبطه ووعيه وعرفته أنه نبأ عظيم؛ وحديث خطير، ثم قال له: هل تدري يا معاذ ما حق الله على عباده وما الذي يجب عليهم أن يحققوه شكرا له؟ ولم يستفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - منه استجوابا له، ولكن زيادة في تنبيهه إلى ما يلقى عليه، وتشويقا إليه.

وقد ردّ معاذ علم ذلك إلى الله الذي أحاط بكل شيء علما. وإلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يبلغ عن الله وحيه وهذا من معاذ كمال أدب: وقف عند حده. ولم يقف ما ليس له به علم. وقد بين له الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا:

كلمة جامعة لم تترك من الدّين صغيرة ولا كبيرة. فعبادته الخضوع له والتذلل. وذلك بطاعته فيما أمر ونهي فنؤمن برسوله ونصدق بكتابه، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، ونهذب نفوسنا ونصح أجسامنا بالصيام، ونحج البيت الحرام ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ونحسن عشرة الناس، ونصدق في معاملتهم، ونخالقهم بخلق حسن، ونقف عند ما شرع الله، لا نتعدّى حدوده. ولا نتجاوز رسومه. ونجانب كل ما نهى عنه من الخبائث مما هو اعتداء على النفس. أو المال أو العرض أو إضرار بالخلق.

وأساس ذلك علم بكتاب الله، وبما احتواه، وهذا بتلاوته وتدبره ودراسته وتفهمه. أما توحيده وعدم الإشراك به فأن نعتقد أنه وحده صاحب الخلق والأمر. وأن من دونه لا يملك ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله. سواء أكان ملكا مقربا؛ أو نبيا مرسلا، أو وليا عابدا؛ ومن توحيده أن تكون الأعمال خالصة لوجهه؛ لا يشوبها خداع ولا رياء ولا تدليس ونفاق، وألا ندعوا معه غيره. أو نقدم إليه القرابين أو نسوق النذور. أو نتخذه وسيلة إليه. فإن كل ذلك شرك ينافي مقام التوحيد ثم سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذا عن حق العباد على الله، وما وعدهم به؛ وكتبه لهم على نفسه؛ إذا هم عبدوه حق عبادته وأخلصوا له الدّين. وأسلموا الوجوه، وعمّروا القلوب بتوحيده، وطهروها من دنس الإشراك. فقال له مثل مقالته الأولى: الله ورسوله أعلم. فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم: حق العباد على الله ألا يعذبهم. وكيف يعذب من توفر على طاعته، وكان عبده السميع، تقرع أذنه آي الوحي فإذا به قد مثلها في عمله، وأظهرها في خلقه، ويسمع هدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإذا به قد اتخذه إماما وقدوة: وهاديا وأسوة؛ كيف يعذب ذا النفس العالية.

الطاهرة النقية، التي لا يرى فيها إلا بياض التوحيد ونوره، ليس بها نكتة من دنس أو شرك، بل كيف لا يسبغ نعمته، ويدخل جنته عباده المقربين، وجنده المخلصين، وهو البّر الرحيم؛ وأكرم الأكرمين وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى. الأدب النبوي (ص: 183)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت