13 -عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" [1]
(1) - الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم (ص: 36) 16 - 14 - [ش أخرجه مسلم في الإيمان باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان رقم 43 (وجد حلاوة الإيمان) انشرح صدره للإيمان وتلذذ بالطاعة وتحمل المشاق في الدين والحلاوة في اللغة مصدر حلو يحلو وهي نقيض المرارة. (لا يحبه إلا لله) لا يقصد من حبه غرضا دنيويا. (يقذف) يرمى]
معنى الحديث: أن للإِيمان حلاوة روحية، ولذة قلبية، لا تعدلها لذة أخرى في هذا الوجود، ولكن لا يتذوق هذه الحلاوة إلاّ من وجدت فيه ثلاث صفات كما قال - صلى الله عليه وسلم -"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان". الصفة الأولى:"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"أي أن يتغلب الحب الإِلهي على نفسه، ويسيطر على كل عواطفه ومشاعره، فيكون حبه لله ورسوله أقوى من حبه لوالده وولده وماله وجاهه، بل أقوى من حبه لنفسه ومن كل شهواته النفسية، وهذه هي حقيقة الإِيمان التي إذا بلغها العبد كان هواه تبعًا لما جاء به - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الحديث، ومن علامات ذلك كمال الطاعة، وتمام المتابعة، ولهذا قال ابن قدامة (1) رحمه الله تعالى:"من أحب الله لا يعصيه"ومراده أن الحب الإلهي الكامل يحول دون المعصية، لأن حلاوة الإِيمان وحب الله تمنع عن كل ما يغضب الله. والصفة الثانية"وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله"أي أن يحب أخاه المسلم محبة خالصة ابتغاء مرضاة الله لمزية دينية موجودة فيه، أو فائدة شرعية يستفيدها منه، من علم نافع أو سلوك حسن، أو صلاح أو عبادة. والصفة الثالثة"أن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار"أي أن تخالط قلبه بشاشة الإِيمان، فيكره الرجوع إلى الكفر - بعد أن هداه الله إلى الإِسلام، كما يكره أن يلقى في النار لعلمه يقينًا أن الكفر سبب للخلود فيها. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.
ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الإِيمان الكامل يربي في النفس أسمى العواطف الدينية، وهي ثلاث عواطف. عاطفة الحب الإِلهي: وقد أشار إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما". وعاطفة الحب في الله والبغض في الله، وقد أشار إليهما - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله". وعاطفة البغض لكل ما حرّم الله، وقد أشار إليها - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار". وكذلك يبغض سائر المعاصي، لأنها تؤدي إليها، فإذا خطرت بباله تصور النار وهي تحرق جسمه، فتنفر نفسه منها حرصًا على سلامته. ثانيًًا: قال ابن أبي جمرة:"ظاهر الحديث يدل على أنّ الإِيمان على قسمين: بحلاوة، وبغير حلاوة، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -"الإِيمان إيمانان، إيمان لا يدخل صاحبه في النار، وإيمان لا يخلد صاحبه في النار"، فالأول ما كان بالحلاوة، والثاني ما كان بغير حلاوة". وهذا يؤكد أنَّ الإِيمان الكامل له حلاوة روحيّة تفوق كل حلاوة في هذا الوجود، ولهذا قال بعضهم: " إن القلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يجد في طعم الإيمان حلاوة العسل. ثالثًا: أن اختيار الأصدقاء هو من كمال الإِيمان، لقوله - صلى الله عليه وسلم -"وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله"وقد قال عمر رضي الله عنه " لا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره"واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1/ 94) "