الصفحة 39 من 49

5 -عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي" [1] "

(1) - صحيح البخاري (1/ 112) (527) وصحيح مسلم (1/ 90) 139 - (85)

سأل ابن مسعود رضي الله عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الطاعات لله، أيها أحب إلى الله تعالى؟ فكلما كان العمل أحب إلى الله، كان ثوابه أكثر.

فقال - صلى الله عليه وسلم - مبينًا-: إن أحبها إلى الله تعالى، الصلاة المفروضة في وقتها، الذي حدده الشارع لأن فيه المبادرة إلى نداء اللَه تعالى وامتثال لأمره، والاعتناء بهذا الفرض العظيم.

ومن رغبته رضي الله عنه في الخير، لم يقف عند هذا، بل سأله عن الدرجة الثانية، من محبوبات الله تعالى قال: بر الوالدين.

فإن الأول محْض حق الله، وهذا محض حق الوالدين.

وحق الوالدين يأتي بعد حق الله، بل إنه سبحانه من تعظيمه له يقرن حقهما وبرهما مع توحيده في مواضع من القرآن الكريم، لما لهما من الحق الواجب، مقابِلَ ما بذلاه من التسبب في إيجادك وتربيتك، وتغذيتك، وشفقتهما وعطفهما عليك.

فالبر بهما، وفاء لبعض حقهما.

ثم إنه -رضي الله عنه- استزاد من لا يبخل، عن الدرجة الثانية من سلسلة هذه الأعمال الفاضلة، فقال: الجهاد في سبيل الله، فإنه ذروة سنام الإسلام وعموده، الذي لا يقوم إلا به، وبه تعلو كلمة اللَه وينشر دينه.

وبتركه -والعياذ بالله- هدم الإسلام، وانحطاط أهله، وذهاب عزهم، وسلب ملكهم، وزوال سلطانهم ودولتهم.

وهو الفرض الأكيد على كل مسلم، فإن من لم يغْزُ، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق. تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: 84)

ويستفاد منه: أن أفضل الأعمال بعد الإيمان أداء الصلاة في وقتها المختار ولو في آخره، وأما حديث الوقت الآخر عفو الله، فقد تفرد به يعقوب ابن الوليد، وكان يَضَعُ الحديث كما قال ابن حِبّان. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (2/ 71)

في هذا الحديث دليل صريح على أن أفضل الأعمال الصلاة على وقتها، وذلك لأنها هي التي يفرق بها بين المؤمن والكافر، ثم أتبعها ببر الوالدين وهو مما يدل على كرم طبع البار؛ فإنه إذا ذكر حال ضعفه وعجزه وكونه كان طفلًا لا يقدر على دفع أذى عن نفسه، ولا جلب منفعة إليها فسخر الله له الوالدين فأحسنا إليه إحسانًا استمر به حتى أنهما بعرضة أن يرثهما فيخرجان من الدنيا له، فقد أحسنا في حال ضعفه، وأحسنا في حال قوته، فمتى برهما دل ذلك على أنه من ذوي الألباب، الذين يسعون في فكاك ذممهم من ديون الإحسان ولا سيما بأول المحسين وهما الأبوان اللذان سبق إحسانهما إليه، وسلف برهما به، وتبع ذلك إنهما يخرجان من الدنيا ويتركان ما في أيديهما له، فلذلك صار هذا البر على أثر إقامة الصلاة في الفضيلة، ثم ذكر الجهاد بعد هذا، وذلك أنه يدل على مبدأ الإنسان في حفظه وهو النفس، فإن الإنسان لا يجود بها إلا موقنًا أن وراءه مقرًّا خيرًا من هذا المقر، وإن القائلين بما لا يليق بجلال الله يستدعي من المؤمنين الغيرة وأن يبذلوا نفوسهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، وأن لا يذكر في الأرض إلا كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله، فإذا جاهد هذا المسلم أعداء الله على هذه الكلمة حتى تكون هي العليا فقتل؛ فإنه قاتل بلسان حاله لا إله إلا الله، ولسان الحال في هذا المقام أمكن من لسان المقال. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 54)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت