الصفحة 4 من 67

نزل القرآن الكريم على العرب وكانوا أمة أميّة لا تعرف القراءة والكتابة فتلقوه بقلوبهم، وحفظوه في صدورهم، وساروا عليه في حياتهم وسلوكياتهم، حتى بات الواحد من الرعيل الأول مصحفا يمشي على الأرض. ولم تكن حالة الأميّة السائدة آنذاك، مانعا من التدبر والنظر في القرآن الكريم. فقد نظر الرعيل الأول إلى القرآن وقرأوه بقلوب واعية وبصائر متفتحة، فكانت تلك القراءة مصداقا لقوله تعالى:"اقرأ".

وآتت تلك القراءة المتدبرة الواعية ثمارها في حياتهم سلوكا وحضارة وانفتاحا على العالم بأسره على الرغم من أنهم لم يتوفر لهم من آليات القراءة والكتابة إلا النزر اليسير.

إلا أن هذه التلاوة الواعية المتدبرة لم تستمر طويلا، فقد بدأت بالتراجع شيئا فشيئا وتضافرت عوامل عديدة في تأخرها وغيابها عن واقع المسلمين وحياتهم مع كتاب الله إلى أن وصلت إلى حالة من الأميّة العقلية قلّ نظيرها.

فعلى الرغم من انتشار وسائل الطباعة والنشر التي أسهمت في تسهيل حفظ القرآن الكريم قراءة وسماعا وكتابة، إلا أن كتاب الله بات بعيدا عن واقع المسلمين وحياتهم العملية.

فلم يعد اهتمام المسلمين بالقرآن الكريم (في الأعم الأغلب) مجاوزا لحدّ التلاوة والحفظ بين الفينة والآخرى، والوقوف عند حدود تجويده وتحسين مخارج الحروف فقط بلا تدبر ولا فهم لمعانيه، وتلاوته على المرضى للتبرك والاستشفاء، أو عند الأموات أو في مجالس العزاء ..

إن ما تعيشه الأمة اليوم من غياب حضاري وهزائم متكررة وعجز عن تعامل مع الأحداث واتخاذ المواقف واكتشاف السنن والقوانين الكونية والاجتماعية إلى غير ذلك من مظاهر التخلف الحضاري والغياب العمراني،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت