الصفحة 3 من 21

ـ أولا: مفهوم التنمية البشرية المستدامة:

نشأت نظرية التنمية البشرية المستدامة نتيجة للتوليف بين منهجين للتنمية. أولهما هو استراتيجية التنمية البشرية التي طرحت في تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وثانيهما منهج التنمية المستدامة الذي وضعه أخصائيون بيئيون واعتمده مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية في ريو دي جانيرو عام 1992.

ويكمن جوهر هذا التوليف في الوصف التالي الذي ورد في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان"مبادرات من أجل التغيير": إن التنمية البشرية المستدامة لا تحقق نموا اقتصاديا فحسب، وإنما تقوم أيضا بتوزيع فوائده توزيعا عادلا. وهي أيضا نمط للتنمية يقوم بالمحافظة على البيئة، لا بتدميرها، ويمكن البشر بدلا من تهميشهم. وهي في الأساس نمط للتنمية يعطي الأولوية للفقراء، ويوسع الفرص والخيارات المتاحة لهم، ويوفر لهم إمكانية المشاركة في اتخاذ القرارات ذات العلاقة بمعيشتهم. وعليه، فإن التنمية البشرية المستدامة هي منهج للتنمية يدافع عن الفقراء وعن الطبيعة وفرص العمل والمرأة والطفل.

ويشترك هذا المنهج في دفاعه عن الفقراء مع منهج التنمية المسمى"منهج الاحتياجات الأساسية"الذي قامت منظمة العمل الدولية وغيرها من منظمات الأمم المتحدة بترويجه في السبعينيات. غير أنه يختلف عنه في الكيفية التي يعالج بها قضايا الفقراء. فبينما يقتصر منهج الاحتياجات الأساسية على ضرورة الوصول إلى الفقراء كفئة مستهدفة بغرض إمدادهم بضروريات الحياة، يقوم منهج التنمية البشرية المستدامة بالتركيز على دور البشر باعتبارهم كائنات فاعلة، لا كفئة مستهدفة بتدخلات ذات طبيعة خيرة. وعلى هذا الأساس، يمكن القول أن منهج التنمية البشرية المستدامة لا بد أن يبدأ بالاعتراف بأن أهم موارد البلدان هي معارف سكانها ومهاراتهم وخبراتهم وثقافاتهم وطاقاتهم وإبداعهم.

وعلى نقيض النموذج التقليدي للتنمية، يؤكد منهج التنمية البشرية المستدامة على دور البشر ضمن السياق الاجتماعي الذي يعيشون فيه. لذا، فإن تعزيز التنمية البشرية المستدامة يتم من خلال مجتمعات مدنية قوية تسودها أنماط تعامل تقوم على الثقة والتعاون. وإن أية استراتيجية متسقة للتنمية البشرية المستدامة لا يمكن أن تعيق النمو الاقتصادي، بل على العكس، فإن التركيز على البشر وعلى المجتمعات البشرية يعتبر حافزا للنمو الاقتصادي. كما لا يمكن التقليل من أهمية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت