وعلى هذا فالعدول مصطلح بلاغي من وجه، ومصطلح دلالي من وجه آخر، فهو معنيّ بالبيان العربي في لفتاته البلاغية، وهو معنيّ بدلالة الألفاظ في صيغ الاستعمال.
وفي ضوء هذا الفهم يبدو للبحث أن العدول في معناه الاصطلاحي هو الانتقال بالألفاظ في النص من سياقها المألوف الاعتيادي إلى سياق جديد خلاف الظاهر، مما يثير التساؤل، ويلفت النظر والانتباه.
وفي ظل هذا الاصطلاح سينصب حديثنا عن العدول بعامة تمهيدا، وعن العدول القرآني بخاصة استقراء.
يقول ابن فارس في مقاييسه: (( سوق: السين والواو والقاف أصل واحد، وهو حَدْوُ الشيء. يقال ساقه يسوقه سوقا، والسَّيّقة: ما استيق من الدواب ... والسوق مشتقة من هذا، لما يُساق إليها من كل شيء. ) ) [1] .
وجاء في لسان العرب: (( ساق الإبل وغيرها سَوْقًا وسياقًا ... وقد انساقت وتساوقت الإبل تساوقا إذا تتابعت ... والمساوقة: المُتابعة كأن بعضها يسوق بعضا ) ) [2] .
وفي العين: (( يقال: ولدت فلانة ثلاثة بنين على ساق واحد، أي بعضهم على إثر بعض، ليست بينهم جارية ) ) [3] . وفي المحكم: (( بنى القوم بيوتهم على ساق واحد ) ) [4] .
وقد أورد الزمخشري في مجاز أساسه: (( تساوقت الإبل: تتابعت. وهو يسوق الحديث أحسن سياق، و (( إليك يُساق الحديث ) ). وهذا الكلام مَساقة إلى كذا، وجئتك بالحديث على سَوْقِه: على سَردهِ )) [5] .
ومما تقدم نخلص إلى أن السياق في اللغة هو: تتابع الأشياء بعضها إثر بعض بنفسها، أو بسبب خارجي.
أما في الاصطلاح فيحتاج إلى تتبع بعض ما قاله علماء البلاغة قديما وحديثا، وأبدأ بعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) في حديثه عن نظم الكلم، فهو يرى
(1) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة 476.
(2) ابن منظور، لسان العرب: مادة (سوق) .
(3) الفراهيدي، العين: مادة (سوق) .
(4) ابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم: مادة (سوق)
(5) الزمخشري، جار الله محمود بن عمر: أساس البلاغة: مادة (سوق) .