الصفحة 12 من 19

أنه (( نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو النظم الذي معناه ضمّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق ) ) [1] ، ومن هنا يظهر (( أن ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل ) ) [2] .

فالنظم عند عبد القاهر الجرجاني عملية عقلية تظهر آثارها بتنسيق الكلمات في تتابع مفضٍ إلى معنى بيّنٍ قصده المتكلم. إن هذا التتابع يشمل العبارة والجملة والنص، وهو معني بالسياق في علاقة الألفاظ بالمعاني، أو المعاني بالألفاظ.

ويرى الشاطبي (ت 790 هـ) أن (( المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل ... ولا محيص للمتفهم من رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره ) ) [3] .

وما أبداه الشاطبي -فيما يرى البحث- دقيق جدا في التوصل إلى الفهم الاصطلاحي للسياق؛ ذلك أن الأحوال والأوقات والنوازل عناصر مهمة يضيفها الشاطبي لفهم النص، وهي تعبر عن تداخل الأحوال الاجتماعية والعوامل الزمنية والقضايا العامة في تكوين دلالات النص، وفهم المراد منه [4] . وبذلك يكون الشاطبي -على ما يظهر- مؤصلا لمصطلح السياق.

والطريف في الأمر أن يؤكد هذا الكلام في مستوى أوسع مما تقدم العالم البريطاني (جون لاينز) بقوله: (( إن اللغوي حين يكون نظرية سياق مقنعة، يجب أن يعتمد في تفسير الوحدات الكلامية على نظريات العلوم الاجتماعية ونتائجها بصورة عامة ... وتشمل هذه العلوم ... علم النفس وعلم المجتمعات الإنسانية(الانثربولوجيا) وعلم الاجتماع )) [5] .

ويرى في حديثه عن تشكل السياق أن (( معنى أي تعبير ما هو إلا مجموع علاقات المعنى القائمة بينه وبين التعابير الأخرى ) ) [6] .

وإذا تركنا البلاغيين والدلاليين في تحديد المصطلح إلى الأسلوبيين المعاصرين والسياقيين في تحديد السياق فيرون أنه كما يشمل الجمل الواردة في تتابع معين ينبغي أن يشمل القطعة كلها والكتاب كله [7] .

(1) الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز: 40.

(2) الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز: 40 - 41.

(3) الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة 3/ 413.

(4) ظ: صاحب أبو جناح، الدكتور: السياق في الفكر اللغوي عند العرب: مجلة الأقلام، العدد 3 - 4،117.

(5) جون لاينز: اللغة والمعنى والسياق 242.

(6) م. ن. 62.

(7) ظ: صاحب أبو جناح، الدكتور: السياق في الفكر اللغوي عند العرب: مجلة الأقلام، العدد 3 - 4، 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت