وفي ضوء تحديد علمائنا القدامى لمصطلح السياق وتنظير المحدثين يتبين لنا أن السياق في الاصطلاح: عبارة عن شبكة العلاقات اللغوية والبيانية والنفسية القائمة بين الألفاظ والمعاني، أو العبارات والجمل في إطار نص ما.
وهذا التعريف - فيما يرى أستاذنا الدكتور الصغير- ينطبق من وجه على تعريف الصورة، ولكنه أخص منها [1] .
إن السياق في كثير من النصوص يأتي بشكل مألوف للمتلقي ولا يصطدم بما هو غير متوقع له، فإذا حصل الاصطدام عد من أسباب التقوية الأسلوبية التي يستعملها الأديب في أسلوبه، وهو ما يصطلح عليه (ريفاتير) بـ (السياق الأسلوبي) [2] ، ويعرفه بأنه (( نموذج لساني مقطوع بواسطة عنصر غير متوقع ) ) [3] ، غير أن هذا القطع لا يكون عاملا مفككا للنص، وإنما هو منبه أسلوبي تكمن قيمته في نسق العلاقات الذي يعمل على إقامته مع بقية عناصر النص لتكوين المعنى المراد [4] .
وتأسيسا على ذلك يكون معنى (العدول في السياق) هو خروج فجائي يجدد زخما دلاليا في التنقل في الخطاب من أصل إلى أصل. أو هو ظهور عنصر غير متوقع من العبارات والجمل ضمن شبكة العلاقات اللغوية والبيانية والنفسية المرتبطة في إطار نص ما.
إن هذا العدول لا يعني أن يكون النص المعدول به مفارقا للسياق العام الذي جاء به، وإنما هو منبه بلاغي يستدعي التأني والتأمل وإعمال الفكر لمعرفة الهدف منه، وظاهرة أسلوبية تتصل في النص، وتنفصل في الأداء البياني، فهو مرتبط به ارتباطا وثيقا في عالم الدلالة إذ ليس من الفن القولي بأفضل معاييره الفنية أن يأتي كلام أجنبي في وسط سياق لا يمت له بصلة، وبخاصة إذا كان هذا السياق في القرآن الكريم الذي هو (( لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) ) [5] ، وذلك ما يحاول كشفه هذا البحث بعون الله تعالى.
(1) ظ: محمد حسين علي الصغير، الدكتور: الصورة الفنية في المثل القرآني 35.
(2) ظ: ميكائيل ريفاتير: معايير تحليل الأسلوب 56.
(3) م. ن. 56.
(4) م. ن. 56.
(5) النحل 103.