وهي في فصول متعدّدة من أجزاء القرآن الكريم، ونلاحظ مع بلاغة القصص وقوة تأثيرها أنَّه لا تكرار في جزء من القصّة، وإنَّ كل جزء من القصّة يهدف في معناه وجزئياته وغاياته ومراميه إلى مقصد، بل لكلّ جزء معنى سيق له، لم يسق له غيره، وإذا كانت بعض العبارات أو المعاني تكرّرت، فإنَّ التّكرار لم يكن لمجرد التّكرار، بل هو تجديد للمعاني، وليس ترديدًا، والفرق بين التّجديد ومجرَّد التّرديد أنَّ التّرديد يكون تكرارًا لا غاية لها، أو يكون لمجرد التّوكيد، وتكرار القرآن ليس على هذا، بل هو تكميل لا بُدَّ منه، وتتميمٌ لا يستغنى عنه، وهو المقصود بالتّجديد؛ فإنه يكون لغاية لا تتمّ إلا به [1] .
كما يلاحظ- أيضًا- أن هذا التّكرار متناسق كل التّناسق مع السّياق الذي وردت فيه، ممّا يجعل القارئ المتأمّل لكتاب الله تعالى يشعر وكأنّه أمام قصّة أو خبر لم يكن ليسمع به من قبل، ويتنبّه إلى فوائد وعبر لم تكن لتخطر منه على بال [2] .
فقصّة ميلاده ونشأته - عليه السلام - مثلًا، جاءت في سورتين: طه، والقصص، لكنها جاءت في سياق التّذكير بالنّعم في سورة طه، فكانت إشارات موجزة، وفصلّت الأحداث في القصص .. ففي كلتا السّورتين مشاهد، وجزئيّات، ومواقف، وأحداث، انفردت بها السّورة، وإن كانت هناك قضايا مشتركة اقتضاها السّياق، وهي مع ذلك لم تأت على أسلوب واحد [3] .
وكلّما تستقصي قصّة موسى - عليه السلام - في القرآن الكريم تصل إلى نتيجة أنّه ليس في قصص القرآن الكريم تكرار مطلق، بل هو تكرار نسبيّ، بمعنى أنّ الغرض الدّيني هو الذّي يملي إعادة القصّة، ولكنّ هذه الإعادة تلبس أسلوبًا جديدًا، وتخرج إخراجًا جديدًا يناسب السّياق الذّي وردت فيه، وتهدف إلى هدف خاصّ لم يذكر في مكان آخر، كأنّنا أمام قصّة جديدة لم نسمع بها من قبل [4] .
حكم وأسرار تكرار القصص القرآنيّ عمومًا:
1.بيان بلاغة القرآن في أعلى مراتبها. فمن خصائص البلاغة إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة، والقصّة المتكرّرة ترد في كلّ موضع بأسلوب يتمايز عن الآخر، وتُصاغ في قالب غير القالب، ولا يمل الإنسان من تكرارها، بل تتجدّد في نفسه معان لا تحصل له بقراءتها في المواضع الأخرى.
(1) ينظر: المعجزة الكبرى القرآن (ص: 127 - 139) ، خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية (1/ 334) .
(2) الواضح في علوم القرآن (ص: 186) .
(3) ينظر: دراسة التكرار في قصة موسى وفرعون في القرآن الكريم.
(4) أدب القصة القرآنية (ص: 96) .