الصفحة 25 من 45

واحد، وهو الذهاب عن الشيء، أما هم فذهبوا عن الذكر، وأما قلوبهم فذهب عنها الذكر (101) .

والجناس ككل محسن بديعي، يهدف إلى إحداث تأثيرين: أحدهما صوتي، بما يحدثه من جمال موسيقي تطرب له الأذن وتهتز له القلوب، والآخر معنوي، ناتج من سرعة الاستدعاء اللفظي للمعنى المراد التعبير عنه، وذلك ما عناه الرماني في باب التجانس، حين عده وجها من وجوه إعجاز القرآن. فالصورة اللفظية الحسية للجناس مع جمالها، لا يصح أن تصرفنا ولا تحجب عن ذهننا ما استتر من لطائف المعاني ودقائق الأغراض، و يظهر لنا هذا الأمر بوضوح، من خلال التقسيمين اللذين ارتضاهما الرماني للتجانس في قوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} (102) . فإن الجناس في الآية قد حقق جمالا موسيقيا، وزاد الكلام حلاوة ورونقا، بما أضافاه عليها من التلوين اللفظي والصوتي. وربما يعتقد البعض، أن الرماني قد أدخل في التجنيس ما ليس منه، لأنه جانس بين لفظ اعتدى واعتدوا، دون اختلاف المعنى بينهما، إذ حد التجنيس: اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، وفي الآية اتفاق اللفظ والمعنى. لكن الأمر خلاف ذلك، فالمراد بالاعتداء في اللفظة الأولى، هو المعنى الحقيقي للكلمة. والاعتداء معناه في أصل اللغة وفيما عليه العرف، مجاوزة الحد المحدود، ونقض الحرمة المحترمة (103) . والمراد بالاعتداء في اللفظة الثانية، إنما هو جزاء الاعتداء الذي هو القصاص. يفسر الفراء هذه الآية قائلا"فالعدوان من المشركين في اللفظ ظلم في المعنى، والعدوان الذي أباحه الله وأمر به المسلمين، إنما هو القصاص، فلا يكون القصاص ظلما وإن كان لفظه واحدا. ومثله قول الله تبارك وتعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (104) . وليست من الله على مثل معناها من المسيء لأنها جزاء" (105) . فالنظم القرآني إذن، جانس بين اللفظتين، ليحقق المعنيين معا. القصاص من جهة، وتوكيد العدالة مع المساواة في المقدار من جهة ثانية، وبذلك تكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت