الآية الكريمة، قد جمعت بين ما هو لفظي صوتي، وما هو معنوي، وإعجازها يرجع إلى دلالة اللفظ وأدائه لمعناه، ولاشيء فيها للفظ بذاته، من حيث هو حروف وأصوات.
وباعتبار أن فكرة الإعجاز -كما يقول نصر حامد أبو زيد- تسلم بداهة بمبدإ التباين بين كلام الله وكلام البشر، من حيث الأسلوب والصياغة (106) ، فإن الرماني يعود مرة أخرى ليعقد مقارنة بين التجانس في القرآن، والتجانس في كلام العرب، وهم أفصح الناس وأبلغهم، ليبرز التفاوت بين الكلامين، وليثبت بلاغة القرآن الكريم وإعجازه في هذا الباب، فيمثل للقرآن الكريم بقوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} (107) . ويمثل لكلام العرب بقول (عمرو بن كلثوم) .
ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا (108) .
حيث انتهى إلى أن بيت (عمرو بن كلثوم) وإن كان بليغا، لكنه دون بلاغة القرآن الكريم"لأنه لا يؤذن بالعدل كما أذنت بلاغة القرآن، وإنما فيها الإيذان براجع الوبال فقط، والاستعارة للثاني أولى من الاستعارة للأول، لأن الثاني يحتذى فيه على مثال الأول في الاستحقاق، فالأول بمنزلة الأصل، والثاني بمنزلة الفرع الذي يحتذى فيه على الأصل، فلذلك نقصت منزلة قولهم: الجزاء بالجزاء عن الاستعارة بمزاوجة الكلام في القرآن" (109) .
ننتقل إلى القسم السابع من أقسام البلاغة العشرة، وهو باب التصريف ومعناه في اللغة التغيير، ومنه تصريف الرياح، وهو صرفها من جهة إلى جهة، وتحويلها من حال إلى حال (110) . وبمعنى أدق، التصريف هو تحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة، لمعان مقصودة لا تحصل إلا به، أي بهذا التحويل (111) . وأهمية التصريف كبيرة، فهو يدل على شرف اللغة العربية، وفضلها على جميع اللغات، فالكلمة تنقلب إلى ضروب من