الصفحة 14 من 45

وذلك بعض ما يعبر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية، ومن أروع هذا التجسيم، قوله سبحانه وتعالى {ولما سكت عن موسى الغضب} (52) ، ألا تحس بالغضب هنا كأنه إنسان يدفع موسى ويحثه على الانفعال والثورة، ثم سكت وكف عن دفع موسى وتحريضه" (53) . ويبدو أن الرماني قد استغل ثقافته الفلسفية الواسعة في تحليلاته للاستعارة القرآنية، فنجده يكثر من ضرب الأمثلة وبيان موضع الاستعارة وأصلها وحقيقتها، ثم يشرح السر في أبلغية الاستعارة على الحقيقة، وقدرتها على التأثير في من يتلقى النص القرآني. ولا غرابة في ذلك، فالرماني لم يكن منفصلا عن الأوساط الفلسفية في عصره، بل كان متأثرا بها ومشاركا فيها. فهو من ناحية"معتزلي والمعتزلي رجل ينبغي أن يكون ما يحسنه من كلام الدين، في وزن ما يحسنه من كلام الفلسفة، وهو من ناحية أخرى منطقي، كانت له طريقة خاصة انفرد بها في دراسة المنطق" (54) ."

نمضي إلى وجه ثالث من وجوه الإعجاز البلاغي، وهو باب التلاؤم، ويعرفه الرماني بقوله"التلاؤم نقيض التنافر، والتلاؤم تعديل الحروف في التأليف" (55) ، فتلاؤم الحروف حسب الرماني شرط من شروط البلاغة، فمن أراد أن يكون كلامه بليغا، فعليه أن يختار من الألفاظ أخفها على اللسان، وأعذبها في الأسماع. ومعنى خفة اللفظ، أن يتركب من حروف خفيفة متقاربة في النطق، ليس فيها تباعد شديد في المخارج، بحيث يصعب الانتقال من مخرج إلى مخرج، ولا التقارب الشديد الذي يجعل بعض الحروف يندغم في بعض،"وإنك بلا ريب تجد ألفاظ القرآن الكريم وجمله بعيدة عن هذا كل البعد، بل إنه المثل الأعلى في ذلك" (56) . وقد شرح الرماني ذلك في مقارنة عقدها في باب الإيجاز بين قوله تعالى {ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب} (57) ، والحكمة العربية (القتل أنفى للقتل) . فذكر أن الخروج من الفاء إلى اللام في قوله تعالى في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت