فبامتزاج التلاؤم اللفظي، وحسن البيان وصحة البرهان، ينتج القول الجميل البليغ، حتى يصل إلى مرتبة الإعجاز.
لقد عد الرماني الفواصل وجها من وجوه بلاغة القرآن الكريم وإعجازه، لما تضفيه على أسلوبه من بلاغة وحسن بيان، وما تحققه من جو موسيقي مؤثر في النفس وفي الطباع، وما توجبه من حسن إفهام للمعاني. ولذلك فاق نظم القرآن غيره من النظوم، وبلغ مرتبة الإعجاز، يقول الرماني"وفواصل القرآن بلاغة وحكم، لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل عليها" (68) .
والفاصلة مصطلح خاص بالقرآن، وهي تقابل السجع في النثر، والقوافي في الشعر، وهي كلمة آخر الآية، تقع عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام (69) . مثل (القمر) و (مستمر) و (مستقر) في قوله تعالى {اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرفوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر} (70) . وإنما سميت فاصلة، ولم تسم قافية أو سجعا، تكريما للقرآن الكريم بأن يقاس على منظوم كلام العرب، من سجع أو نثر، فالله تعالى"لما سلب عنه اسم الشعر، وجب سلب القافية عنه أيضا لأنها منه، وخاصة به في الاصطلاح، وكما يمنع استعمال القافية فيه، يمنع استعمال الفاصلة في الشعر، لأنها صفة لكتاب الله فلا تتعداه" (71) . فالقرآن مميز حتى في التسمية عن كلام العرب، وإن وافق صور كلام العرب، وجرى على سنته في الفصاحة والبيان. فليس القرآن نثرا، وإن استعمل جميع أساليب النثر عند العرب، وليس القرآن شعرا، وإن اشتمل على جميع بحور الشعر العربي (72) .
والذي لاشك فيه. أن الجمال الصوتي والتناسق الفني والإيقاع، (الموسيقي، هو أول شيء أحسته الأذن العربية يوم نزل القرآن الكريم وتلاه الرسول وذلك لما وجدوا فيه من إيقاع جميل، وفواصل متقاربة في