الصفحة 8 من 45

إذا حذفت منه تلك الزيادة المؤكدة للمعنى، تغير ذلك المعنى وذهبت الفائدة. ولذلك عد الرماني الإطناب بلاغة، والتطويل عيا"لأنه تكلف فيه الكثير مما يكفي منه القليل، فكان كالسالك طريقا بعيدا جهلا منه بالطريق القريب. وأما الإطناب فليس كذلك، لأنه كمن سلك طريقا بعيدا لما فيه من النزهة الكثيرة والفوائد العظيمة" (27) .

وهكذا نلاحظ أن الرماني في بحثه لباب الإيجاز، قد حرص على بيان تفوق البلاغة القرآنية على غيرها من الكلام الجاري على ألسنة العرب، فهو كلام خال من كل تقصير وتطويل، مشحون بالإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، من غير إخلال باللفظ أو بالمعنى، وقد كانت للرماني لمحات جيدة في هذا الباب، استفاد منها كل من جاء بعده من البلاغيين، وخاصة تلك المقارنة اللماحة التي أجراها بين الآية الكريمة والحكمة العربية، فقد نقل هذه المقارنة كل من أبي هلال العسكري (ت.395 هـ) وأبي سنان الخفاجي (ت.466 هـ) .

بعد أن انتهي الرماني من الحديث عن باب الإيجاز، انتقل للحديث عن وجه آخر من وجوه البلاغة القرآنية، وهو باب التشبيه، ليثبت أن تشبيهات القرآن الكريم، تختلف عن تشبيهات العرب، بكثرة المعاني المستنبطة منها، وبسلاستها في النطق والسمع، ويعرف الرماني التشبيه بقوله"التشبيه هو العقد على أحد الشيئين، يسد مسد الآخر في حس أو عقل، ولا يخلو التشبيه من أن يكون في القول أو في الأنفس، كتشبيه ماء بماء، أو ذهب بذهب، أو في العقل، كتشبيه قوة زيد، بقوة عمرو، فالقوة لا تشاهد ولكنها تعلم" (28) ، وهو تعريف جامع مانع كما يقول أهل المنطق، إذ أبان فيه وجوه الالتقاء بين المشبه والمشبه به في الحس أو العقل. واضح من هذا التعريف أن العلاقة التي تربط بين المشبه والمشبه بهن علاقة مقارنة أساسا، وليست علاقة اتحاد أو تفاعل، بحيث يصبح"هذا الطرف ذاك"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت