الصفحة 7 من 45

وليبرهن على ذلك، يعقد مقارنة بين الإيجاز في القرآن، والإيجاز في كلام العرب، وهم أفصح الناس وأبلغهم، لإبراز التفاوت بينهما، فيمثل للقرآن الكريم بقوله تعالى {ولكم في القصاص حياة} (22) ، ويمثل لقول العرب بالحكمة المشهورة (القتل أنفى للقتل) ، حيث انتهى إلى أن إيجاز الآية، أبلغ من إيجاز الحكمة العربية من وجوه أربعة،"أنه أكثر في الفائدة، وأوجز في العبارة، وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة، وأحسن تأليفا بالحروف المتلائمة" (23) .

أما الكثرة في الفائدة، ففيه كل ما فيه قولهم (القتل أنفى للقتل) وزيادة معان حسنة منها إبانة العدل لذكر القصاص، ومنها إبانة الغرض المرغوب فيه لذكره الحياة، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرحمة لحكم الله به.

وأما {القصاص حياة} (الإيجاز في العبارة، فإن الذي هو نظير(القتل أنفى للقتل) ، قوله فالأول فيه أربعة عشر حرفا، والثاني عشرة أحرف.

وأما بعده من الكلفة بالتكرير الذي فيه على النفس مشقة، فإن في قولهم (القتل أنفى للقتل) تكريرا، غيره أبلغ منه، ومتى كان التكرير كذلك، فهو مقصر في باب البلاغة عن أعلى طبقة.

وأما الحسن بتأليف الحروف المتلائمة، فهو مدرك بالحس، وموجود في اللفظ. فإن الخروج من الفاء إلى اللام، في قول تعالى {ولكم في القصاص حياة} أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة، في قول العرب (القتل أنفى للقتل) لبعد الهمزة من اللام.

فباجتماع هذه الأمور جميعا، صار الإيجاز في الآية الكريمة أبلغ وأحسن (24) .وفي ثنايا حديث الرماني عن الإيجاز، تعرض للإطناب والتطويل. فالإطناب هو"تفصيل المعنى، وما يتعلق به في المواضع التي يحسن فيها ذكر التفصيل" (25) ، أما التطويل فهو:"التعبير عن المعنى بلفظ زائد، يفهم ذلك المعنى بدونه، فإذا حذفت تلك الزيادة، بقي المعنى المعبر عنه على حاله لم يتغير منه شيء." (26) وهذا بخلاف الإطناب، فإنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت