وقد سمى بعض علماء البلاغة هذا الوجه بالإفراط (138) . وسماه آخرون (كقدامة ابن جعفر) (بالمبالغة) . ويعرفها بقوله"هي أن يذكر الشاعر حالا من الأحوال في شعر لو وقف عليها لأجزأه ذلك في الغرض الذي قصده، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره من تلك الحال، ما يكون أبلغ في ما قصد" (139) . ومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة:
أنا المنية حين تشتجر القنا *** والطعن مني سابق الآجال (140) .
فعنترة يدعي أن شجاعته وقوته بلغت حدا بعيدا، حتى صار كل من يدخل معه في معركة، إلا وقد سيق إلى أجله قبل أن يحين أجله. وقد وقف النقاد والبلاغيون من البلاغة مواقف متباينة، فمنهم من رأى أن أحسن الشعر أكذبه، وخير الكلام ما بولغ فيه، ومنهم من رأى أن المبالغة من عيوب الكلام، إذ لا يلجأ المتكلم إلى المبالغة إلا عند عجزه عن أن يخترع معنى مبتكرا (141) . وليس غرضنا مناقشة هذه الآراء، لأن كلامنا موجه بالأساس للحديث عن هذا الوجه البلاغي عند الرماني، فلا نرى ضرورة في أن نتوسع في القول عن هذا الاختلاف، فهناك كتب كثيرة تعرضت لهذا الموضوع بالبحث والدراسة (142) . وإنما غرضنا أن نبين أسلوب معالجة الرماني لهذا الوجه البلاغي، فالرماني كما أشرنا سابقا، مستقل في تفكيره وتصوره لكثير من الوجوه البلاغية، وهذا ما نلمسه بشكل واضح في معالجته لهذا الوجه الذي يعرفه بقوله:"المبالغة هي الدلالة على كبر المعنى على جهة التغيير عن أصل اللغة لتلك الإبانة" (143) . فهذا التعريف يتفق مع تعريف (قدامة) الآنف الذكر، لكن الجديد الذي أضافه الرماني إلى تعريفات غيره من البلاغيين للمبالغة هي قوله:"على جهة التغيير عن أصل اللغة لتلك الإبانة". فالمبالغة تتم من خلال التغيير، الذي يطرأ على أبنية الأسماء في أصل اللغة مثل، (فعولن أو فعال أو مفعل) كما في قوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب} (144) . معدول عن غافر