التفصيل (134) ، إذ كان اللفظ فيه دالا دلالة الإخبار على معان كثيرة، فاقتصر المتكلم على اللفظة الدالة على تلك المعاني ولم يفصلها، وهو التعريف نفسه الذي ارتضاه الرماني للإيجار إذ يقول:"والإيجاز إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير" (135) . والإيجاز هو"تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى" (136) .
فإذا كان الرماني - كما رأينا سابقا في باب الإيجاز- قد أولى عناية كبيرة لكل من اللفظ والمعنى، فإنه أولى لهذه الثنائية في هذا الباب القدر نفسه من العناية والأهمية. يظهر ذلك من تعريفه للتضمين، بأنه تضمين الكلام عدة معان من غير ذكر له باسم أو صفة، فهذه العبارة على إيجازها، تعبر عن رأي الرماني أدق تعبير، فالتضمين وإن كان من المحسنات اللفظية التي يزدان بها الكلام وتكسبه بهاء وخلابة، فهو في الوقت ذاته مظهر من مظاهر التأنق في تجلية المعاني وحسن تأديتها، ولا نجد مثل هذا التضمين إلا في أسلوب القرآن الكريم، فهو الأسلوب البليغ المعجز. ولعل أهم ما يثير القارئ لرسالة الرماني في هذا الباب، والباب الذي قبله، طريقة الرماني في الكلام والتحليل، فهي طريقة فلسفية منطقية كلامية، تظهر قدرته الفائقة على الجدال والمناظرة، كما رأينا في الوجوه الستة الأخرى التي ارتضاها الرماني للإعجاز القرآني. وربما كان الطابع الكلامي للرماني، وراء ذلك التعقيد الذي تميز به أسلوبه في تحليل وجوه الإعجاز، مما يحوج قارئ رسالته في كثير من الأحيان، إلى بعض الجهد لفهم المراد من كلامه. يقول الدكتور شفيع السيد:"فالتصريف والتضمين كما أوضحهما، ليسا من البلاغة في شيء، وإنما هما أقرب إلى ميدان علم الكلام الذي كان هو واحدا من فرسانه، وليس هناك أدنى صلة بين (التضمين) عنده، وظاهرة (التضمين) المعروفة في البديع، لهذا لم يعتد أحد من البلاغيين بهذين الوجهين، ولا نكاد نرى لهما أثرا فيما نعرف من كتب التراث البلاغي" (137) .