الصفحة 24 من 45

التجانس هو الباب السادس من أبواب البلاغة التي يتحقق بها إعجاز القرآن، ويعرفه الرماني بقوله:"هو بيان بأنواع الكلام الذي يجمعه أصل اللغة" (93) . ويقصد الرماني بالتجانس، الجناس أو التجنيس، وهو تشابه لفظين في النطق مع اختلاف المعنى، كما في قوله تعالى، في وصف حال الكفار يوم القيامة {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} (94) . فلفظ (ساعة) الأولى، قصد به يوم القيامة، و قصد بالثاني، المدة الزمانية، فلو قيل (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير وقت قصير) لفات على السامع السر في بلاغة الجناس، ولفقدت الآية بلاغتها وحسن نظمها وسبكها. فالجناس من المحاسن اللفظية والألوان البديعية، التي لها تأثير بليغ في النفوس، ووقع في القلوب، بما تحدثه من انسجام في النغم، وتقارب في الأصوات، نتيجة للمشابهة اللفظية، ذلك أن"مناسبة الألفاظ تجدد ميلا وإصغاء إليها، ولأن اللفظ المشترك إذا حمل على معنى، ثم جاء والمراد به آخر، كان للنفس تشوق إليه" (95) .

والتجانس عند الرماني على وجهين: مزاوجة ومناسبة. أما المزاوجة، فأن تجعل اللفظة الثانية المتجانسة للأولى زوجا لها، من غير مناسبة بينهما، وتقع في الجزاء، كما في قوله تعالى، {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} (96) . أي جازاهم على مكرهم، فاستعير للجزاء على المكر اسم المكر، لتحقيق الدلالة على أن وبال المكر، راجع إليهم ومختص بهم (97) . ومنه قوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} (98) . أي جازوه بما يستحق طريق العدل، إلا أنه استعير للثاني لفظ الاعتداء، لتأكيد الدلالة على المساواة في المقدار، فجاء على مزاوجة الكلام لحسن البيان (99) . وأما المناسبة فتدور في فنون المعاني التي ترجع إلى أصل واحد، من مثل قوله تعالى {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} (100) . فجونس بالانصراف عن الذكر، صرف القلب عن الخير، والأصل فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت