وكيف يجاري كلام مسيلمة"يا ضفدع نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا النهر تفارقين" (89) كلام الله تعالى إذ يقول {والفجر وليال عشر، والشفع والوتر والليل إذا يسر، هل في ذلك قسم لذي حجر، ألم تر كيف فعل ربك بعاد ارم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الاوتاد، الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد} (90) . فهذه الآيات حسب ابن سنان من سجع القرآن، وهو سجع في أعلى مراتب البلاغة والإعجاز، ترى فيه الفقرات متعادلة الأجزاء، رقيقة النغم موجزة اللفظ وافية بالمعنى، فيها وزن وموسيقى ورنين، وهذا ما يقال له السجع.
فابن سنان ومن لف لفه من النقاد والبلاغيين، إذ يفسر السجع بأنه الاتحاد في حروف المقاطع، من غير أن يكون المعنى تابعا للفظ، يحكم بأن القرآن الكريم فيه سجع فوق قدرة البشر أن يأتوا بمثله، أما الرماني وغيره من العلماء ممن نفوا السجع عن القرآن، فيرون أن السجع كالشعر، يكون المعنى فيه تابعا للقافية والأوزان. فكما نزه الله تعالى كتابه الكريم عن الشعر، فقال عز من قائل: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} (91) . فهو كذلك منزه عن السجع، وإن اتحدت حروف مقاطعه. ومهما يكن من أمر، فالقرآن الكريم قد نزل بلغة العرب، وعلى عرفهم وعاداتهم في الكلام، وقد وردت فيه الفواصل بإزاء الأسجاع، وأكثر البلاغيين يوردون شواهد للسجع من القرآن الكريم، ويقرون صراحة بوجوده فيه. غير أن ما يجب التنبيه إليه أن السجع عند العرب له مهمة لفظية في غالب الأحيان، حيث يؤتى به لتحقيق التناسق بين أواخر الكلمات في الفقرات وتلاؤمها. أما مهمة الفاصلة القرآنية فهي مهمة لفظية معنوية في وقت واحد، فلا تفريط في الألفاظ على سبيل المعاني، ولا اشتطاط بالمعاني من أجل الألفاظ،"لذلك ارتفع مستوى الفاصلة في القرآن بلاغيا ودلاليا، عن مستوى السجع فنيا، وإن وافقه صوتيا" (92) .