الهجري، والإفراط في تكلفه والغلو في التأنق اللفظي، الأمر الذي ولد ردود فعل ومواقف سلبية من السجع، حتى لدى أولئك الذين بدا عليهم التأثر بأسلوب السجع والميل إليه. يقول ابن الأثي: ر"وقد رأيت جماعة من متخلفي هذه الصناعة، يجعلون همهم مقصورا على الألفاظ التي لا حاصل وراءها ولا كبير معنى تحتها، وإذا أتى بعضهم بلفظ مسجوع على أي وجه كان من الغثاثة والبرودة، يعتقد أنه قد أتى بأمر عظيم، ولا يشك في أنه صار كاتبا مفلقا، وإذا نظر إلى كتاب زماننا وجدوا كذلك، فقاتل الله القلم الذي يمشي في أيدي الجهال الأغمار، ولا يعلم أنه كجواد يمشي تحت حمار" (86) .
ويحق لنا أن نتساءل، أكل السجع كسجع الكهان مذموم متكلف يرهق الألفاظ والمعاني؟ ألا يوجد سجع يزيد المعاني قوة، وتكون فيه المعاني متبوعة وليست تابعة؟ فرفض السجع على الإطلاق رأي غير مستقيم، فيه كثير من التعسف، فالسجع لا عيب فيه مادام يأتي طوعا سهلا تابعا للمعاني، وهو من صميم البلاغة، لأن المقصود به، إنما هو اعتدال المقاطع وجريه على أسلوب متفق"لأن الاعتدال مقصد من مقاصد العقلاء يميل إليه الطبع وتتشوق إليه النفس" (87) . لذلك لم يوافق علماء كثيرون الرماني في موقفه من السجع، مثل (أبي هلال العسكري) و (ابن سنان الخفاجي) الذي رد على الرماني وغيره ممن ينفون السجع عن القرآن بقوله"وأما قول الرماني أن السجع عيب، والفواصل بلاغة على الإطلاق فغلط. لأنه إن أراد بالسجع ما يكون تابعا للمعنى، وكأنه غير مقصود، فذلك بلاغة والفواصل مثله. وإن كان يريد بالسجع، ما تقع المعاني تابعة لها وهو مقصود متكلف، فذلك عيب والفواصل مثله" (88) . يلاحظ من هذا النص أن (ابن سنان) يعيب ما ينافي البلاغة سواء أكان سجعا أو فواصل، ولا مانع من أن يوصف القرآن بأن فيه سجع، ولكنه سجع في أعلى مراتب الكلام بحيث لا يمكن أن يجاريه أحد، ولا يصل إلى علوه أحد من الخلق.