فنحن حينما نتأمل هذه الآيات نلاحظ أن الفاصلة التي انتهت بها هذه الآيات، تتألف من مقطع يتكون من صوت متحرك هو الراء، ومن صوتين ممدودين هما الألف التي قبل الراء والألف التي بعدها، ولهذين المدين وظيفتين، وظيفة إيقاعية ووظيفة معنوية بلاغية"أما الأولى فيؤديانها بالسماح للصوت بالارتفاع والامتداد في نهاية كل آية بمقدار متناسب. وأما الثانية فيؤديانها في دعوة قومه، وقد أشار (بالإسهام في الإيحاء بصورة الجهد الضخم الذي أمضاه نوح لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما"(81) . (القرآن في مكان آخر إلى أنه
وقد يتوهم البعض أن ختام فواصل القرآن المتوافقة هي من السجع، فالتحقيق يقتضي الفصل بين الأمرين، فالفواصل من وجوه بلاغة القرآن وإعجازه، والأسجاع عيب ذلك، أن الفواصل تتبع المعاني، والسجع تتبعه المعاني، يقول الرماني:"الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة، إذ كان الغرض الذي هو حكمة، إنما هو الإبانة عن المعاني التي الحاجة إليها ماسة" (82) . والسجع من المحسنات البديعية التي يعمد إليها المتكلم حين يريد أن يرتفع بكلامه عن منزلة النثر العادي، إلى نثر فني، يتوخى فيه مزيدا من العناية بالصياغة اللفظية، وجمال الأداء، وحده"تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد" (83) . وقد يكون دافع الرماني إلى رفض السجع وذمه، رغبته في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي، عن الكهنة وغيرهم، الذي يقصد به اتحاد الحروف، من غير نظر إلى المعنى، ومن غير أن تكون للمعاني في ذاتها قيمة، كما جاء عن بعض الكهان"والأرض والسماء والغراب، الواقعة بنقعاء، لقد نفر المجد إلى العشراء" (84) . ومنه ما يحكى عن مسيلمة"يا ضفدع نقي، كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا النهر تفارقين" (85) . وقد يكون هناك سبب آخر دفع الرماني إلى رفض السجع وذمه، وهو كثرة شيوع استخدامه في القرن الرابع