الصفحة 20 من 45

بالنظائر" (78) ."

ومعلوم أن حسن صياغة الألفاظ، له أثر كبير في إمتاع النفوس، وإطرابها وتهيئتها لقبول تأثير المعاني التي تتضمنها، ولا يبلغ اللفظ مداه في الإبلاغ والتأثير، إلا بصحة معناه ووضوحه وبهائه. وهذا هو رأي الرماني، فلا تحسن الفواصل لمجردها، ولا تصل إلى درجة البلاغة والإعجاز، إلا إذا أدت إلى إفهام المعاني مع ما يقتضيه ذلك من حسن النظم والتئامه. فأما أن تهمل المعاني، ويهتم بتحسين اللفظ وحده، فليس من البلاغة في شيء. يقول الدكتور أحمد أبو زيد"من أهم الخصائص التي تميز القرآن على كل كلام بليغ، أنه يجمع في كل معنى يطرقه بين الوفاء بحق المعنى وحق الصياغة، وتناسب الفواصل، وأنه استمر على ذلك من أوله إلى آخره، ولم يخل بحق أي من العنصرين ولو مرة واحدة. إن العبارات القرآنية آيات محكمة، فصلت من لدن حكيم خبير، وحين يتدبر البليغ تركيبها من ناحية الصياغة اللفظية، يجد أن حق الصياغة يقتضي التركيب الذي نزلت به، وحين يتدبره من ناحية المعنى وما تقتضيه بلاغته يجد أيضا أن حق المعنى يقتضي ذلك التركيب" (79) . وما يؤكد أن فواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة لما تؤدي إليه من إفهام المعاني في أحسن صياغة وأحسن نظم، كثرة وقوع حروف المد واللين في الفواصل، بالقياس إلى غيرها من الحروف، وذلك لأنها تحمل لحنا إيقاعيا لا يوجد في الحروف الأخرى، وتحمل من الحلاوة والإطراب، ما يحدث الانسجام في الإيقاع والترابط في السياق. ولتتضح هذه الأبعاد الصوتية لحروف المد واللين، يحسن بنا أن نسوق هنا مثالا من القرآن الكريم، إذ بالمثال يتضح المقال، يقول الله تعالى: {قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، ثم إني دعوتهم جهارا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا، فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا} (80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت