الصفحة 19 من 45

الوزن، تشبه الوزن والقافية في الشعر، فتشوقت الآذان لسماعه، وانقادت النفوس مستسلمة لتعاليمه، وشهدت الألسن بما له من سحر التأثير، وروعة البيان، وكمال الإعجاز. وقد لاحظنا من قبل، أن التعبير القرآني قد أولى الإيقاع الصوتي عناية خاصة، فلا يمكن لأية أذن لها أدنى قدر من الإحساس بالجمال الموسيقي، إلا أن تدرك جمال القرآن الذي تسمعه يرتل ترتيلا، وأن هذا الإيقاع الصوتي تابع لقصر الفواصل وطولها، كما هو تابع لانسجام الحروف في الكلمة المفردة، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة. فكل شيء في القرآن"معجز من حيث قوة الموسيقى، في حروفه وتآخيها في كلماته، وتلاقي الكلمات في عباراته، ونظمه المحكم في رنينه، وما وصل إليه من تأليف بين الكلمات، وكون كل كلمة لفقا مع أختها، وكأنما نسيج كل واحدة قطعة منه تكمل صورته وتوحد غاياته ومعانيه، تجدها مؤتلفة مع ألفاظه، وكأن المعاني جاءت مؤاخية للألفاظ، وكأن الألفاظ قطعت لها وسويت على حجمها" (73) .

ويعرف الرماني الفواصل بأنها"حروف متشاكلة في المقاطع، توجب حسن إفهام المعاني" (74) . وهي على وجهين: متجانسة ومتقاربة، فالمتجانسة كقوله تعالى {والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور} (75) . أما المتقاربة فكقوله تعالى {الرحمان الرحيم، ملك يوم الدين} (76) فالميم والنون حرفان متقاربان، وإنما يحسن المجيء بحروف متقاربة في الفواصل،"لأنه يكتنف الكلام من البيان ما يدل على المراد في تمييز الفواصل والمقاطع، ولما فيه من البلاغة وحسن العبارة" (77) . ويلاحظ من تعريف الرماني للفاصلة، أنه يعتبرها فضيلة من فضائل القرآن، ووجها من وجوه إعجازه، جمعت بين بلاغة المعنى ومحاسن الصياغة، فهي طريق إلى إفهام المعاني، التي يحتاج إليها في أحسن صياغة وأحسن نظم. وقد عبر عن هذا الرأي في مكان آخر بقوله:"والفائدة في الفواصل دلالتها على المقاطع وتحسينها الكلام بالتشاكل وإبداؤها في الآي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت