للمبالغة (145) . وقد رفض هذا التعريف شارح رسالة الرماني لأن الأبنية المعدولة عن أصولها، موجودة في أصل اللغة، كالأسماء المفردة الموجودة في أصل اللغة، وما هو موجود في أصل اللغة ليس منسوبا إلى بلاغة البليغ، وإنما يعد من البلاغة ما يكون من البلغاء في نظمهم الذي ينظمونه من مبالغة في الصفة، أو إطناب أو إيجاز أو غير ذلك من العمل مما هو منسوب لهم، فأما من"استعمل من الأسماء ما بني على فعول أو فعال، فإنما سبيله في استعماله كسبيل من استعمل سائر الأسماء المختلفة الأبنية. ألا ترى أن قول القائل من العامة (فلان كذاب أو كذوب، أو فلان غدار) ليس يسمى بهذا القدر من الكلام بليغا، كما أنه إذا قيل (فلان مقيم وفلان شاخص) لم يكن هذا القدر من كلامه معدودا في باب البلاغة، لأن العلم بمواضع هذه الأسماء التي تستعمل فيها، هو من شرط العلم باللغة، وليس هو من شرط البلاغة. وإنما يكون المبالغة معدودا في باب البلاغة، إذا سلك المتكلم مسلكا من النظم، يزيد المعنى الذي يريد تقريره بيانا ووضوحا، حتى يبلغه غايته أو يجاوزها به" (146) .
وهذا الكلام صحيح لا غبار عليه، لكننا نعتقد أن الرماني لم يكن غافلا عن هذا الأمر، فهو كغيره من علماء الإسلام يؤمن بأن إعجاز القرآن، يكمن في عجيب نظمه، وبديع تأليفه، وروائع معانيه، وأن هذا النظم مخالف لما عداه من نظوم البشر. وإذا كان الرماني قد أغفل الحديث عن هذا النظم في رسالته، فذلك لا يعني أنه ينظر إلى الوجه البلاغي للقرآن منعزلا عن سياقه، كأن يكون موضع التشبيه مثلا أو الاستعارة أو المبالغة بمفرده معجزا. إنه لا يفصل بين نظام التأليف القرآني، وفنون البلاغة وصور البديع، أعلى مراتب البيان ما جمع"أسباب الحسن في العبارة، من تعديل النظم حتى يحسن في السمع، ويسهل على اللسان، وتتقبله النفس تقبل البرد" (147) . ومن ثم فالرماني لا يمتدح أسلوب المبالغة، لما يحتويه من أسماء وأبنية موجودة في أصل اللغة، وإنما تدخل المبالغة عنده في باب الإعجاز عندما يعمل