الصفحة 34 من 45

التعبير معنى مؤلفا من حقائق مترابطة يسند بعضها بعضا، أو بتعبير آخر عندما تتفاعل الألفاظ مع المعاني، وينتج عنها جمال التعبير وصدق التصوير. ولا نجد مثل هذه المبالغة من حيث الدقة في اختيار الألفاظ، وانسجامها في سياقاتها المختلفة، إلا في أسلوب القرآن الكريم، لذلك صارت المبالغة وجها من وجوه الإعجاز القرآني. والمبالغة عند الرماني على وجوه:

الوجه الأول: المبالغة في الصفة المعدولة عن الجارية لمعنى المبالغة، وهي على أبنية كثيرة منها: فعلان كرحمان، عدل عن (راحم) للمبالغة، وفعال كغفار وتواب وعلام، مثل قوله تعالى {وإني لغفار لمن تاب} (148) . فغفار معدول عن غافر للمبالغة. ومن ذلك فعول كغفور وشكور وودود، ومنه مفعل كمطعن، ومفعال كمنحار ومطعام (149) .

الوجه الثاني: المبالغة بالصيغة العامة في موضع الخاصة، كقوله تعالى {خالق كل شيء} (150) . أو كقول القائل: (أتاني الناس) . ولعله لا يكون أتاه إلا خمسة فاستكثرهم، وبالغ في العبارة عنهم (151) . واستشهاد الرماني لهذا الوجه بقوله تعالى {خالق كل شيء} فيه نظر، لأن الحق سبحانه وتعالى خالق حقيقة كل شيء، فلا مبالغة في الآية أبدا. إلا أن الرماني الذي ينطلق في تحليله من عقيدته الاعتزالية، لا يجد حرجا في إدخال هذه الآية في باب المبالغة. ومعنى ذلك، أنه يستثني أن يكون الله خالق كل شيء، وهو بذلك يريد أن ينفي خلق الله لأفعال العباد، حتى لا يتوهم أن يكون في ذلك نوع من الجبر والقهر ينافي عدله سبحانه، فالإنسان في المذهب الاعتزالي هو الذي يخلق أفعاله بمقتضى حريته واختياره. والذي حملهم على ذلك هو إيمانهم بعدالة الله وتنزهه عن الظلم، فما كان الله سبحانه ليعاقب إنسانا على عمل وجهه إليه وأعانه عليه، لأن من أعان فاعلا على فعله، ثم عاقبه عليه كان جائرا. والعدل من صفات الله تعالى، والظلم والجور منفيان عنه (152) . فإثبات حرية الإنسان واختياره لأفعاله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت