هي من وجهة نظر المعتزلة من مستلزمات العدل الإلهي، إذ لا يعاقب إنسان ولا يثاب، إلا بمقتضى حرية واختيار يباشر بهما أفعاله، وهذا هو مناط التكليف، فعقيدة الرماني الاعتزالية هي التي دفعته للاستشهاد بهذه الآية، لأن لفظ (كل) في الآية لا يقصد عمومها، لأن أفعال الناس مستثناة بالدليل العقلي من هذا العموم.
الوجه الثالث: إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة، كقول القائل (جاء الملك) إذا جاء جيش عظيم له، ومنه قوله تعالى {وجاء ربك والملك صفا صفا} (153) ، فجعل مجيء دلائل الآيات مجيئا له على المبالغة في الكلام (154) . فالواضح أن الرماني في هذا الوجه أيضا، يلتزم بأصول ومبادئ المعتزلة في التنزيه الإلهي وعدم مماثلته للأشياء والأجسام، فكل شيء يتنافى مع وحدانيته تعالى فنده المعتزلة بالأدلة العقلية، ورفضوا أن يأخذوا الآيات التي تحمل معاني التشبيه والتجسيم على علاتها، وحملوها على المجاز وأولوها تأويلات تتفق مع وحدانية الله وتنزهه عن التشبيه. فليس ثمة مجيء لله تعالى حقيقي، وإنما المراد مجيء الدلائل الدالة على قدرته تعالى، أما علماء السنة فيقدرون محذوفا، والتقدير عندهم (وجاء أمر ربك) (155) .
الوجه الرابع: إخراج الممكن إلى الممتنع للمبالغة نحو قوله تعالى: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} (156) . وهذا إنما هو على البعيد ومعناه، لا يدخل الجمل في سم الخياط ولا يدخل هؤلاء الجنة.
الوجه الخامس: إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدول والمظاهرة في الحجاج (157) . كقوله تعال: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (158) . أي أن أحد الفريقين لعلى هدى أو في ضلال مبين، ولابد من أن يكون أحد الادعاءين صحيح يؤدي إلى الفوز والنجاة، والآخر فاسد يؤدي إلى الهلاك، فاثبتوا على ما ادعيتم، فستكشف لكم العاقبة صحة ما