تعريفاته لباب الإيجاز، فهوعنده بمثابة"تقليل الكلام، من غير إخلال بالمعنى" (10) . وهو"تهذيب الكلام بما يحسن به البيان"وهو أيضا"إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير"كما أنه"تصفية الألفاظ من الكدر وتخليصها من الدرن" (11) .
إن هذه التعريفات كلها، تعني أن الإيجاز باعتباره أسلوبا بيانيا، يرجع حسنه وبهاؤه إلى المهارة في التصرف في الألفاظ والمعاني، والقدرة على المقابلة بينهما. والإيجاز عند الرماني على وجهين: إيجاز حذف، وإيجاز قصر، أما إيجاز الحذف فهو"إسقاط كلمة، للاجتزاء عندها بدلالة غيرها من الحال، أو فحوى الكلام" (12) . وله أمثلة كثيرة من القرآن الكريم يذكر منها، قوله تعالى {وسئل القرية} (13) ، كأنه قيل (واسأل أهل القرية) ، ومنه حذف أجوبة، كقوله تعالى {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا، حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} (14) كأنه قيل: حصلوا على النعيم المقيم، الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير (15) ، فالحذف في الآتين أبلغ من الذكر،"لأن النفس تذهب فيه كل مذهب، ولو ذكر الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان" (16) .
من الواضح أن الرماني من خلال هذا التعليق الدقيق، كان مدركا لهذا التأثير العجيب الذي تحدثه بلاغة القرآن الكريم، في نفوس وقلوب سامعيه، فتخشع وتنقاد له صاغرة طائعة مستسلمة، كما قال عز من قائل {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (17) .
وأما الإيجاز بالقصر"فهو بنية الكلام، على تقليل اللفظ، وتكثير المعنى، من غير حذف" (18) ، ومنه قوله تعالى {ولكم في القصاص حياة} (19) ، ومنه قوله تعالى {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس} (20) ، ومنه قوله تعالى {يحسبون كل صيحة عليهم} (21) فقد نظمت هذه الآيات بألفاظ قليلة، لكنها مستوعبة لمعان كثيرة، تدل على عظمة التعبير القرآني.