الصفحة 9 من 45

الآخر، ولو على سبيل الإيهام، أو تتفاعل دلالات الأطراف مكونة دلالة جديدة، هي محصلة لهذا التفاعل كما يحدث في الاستعارة. إن التشبيه هو محض مقارنة بين طرفين متمايزين لاشتراك بينهما في الصفة نفسها، أو في مقتضى وحكم لها" (29) ."

والتشبيه عند الرماني، من الأبواب التي يتفاضل فيها الشعراء، وتظهر فيها بلاغة البلغاء، وهو على طبقات. فأعلاه طبقة التشبيه الذي ورد في القرآن الكريم، وما كان دونه فهو الذي ورد في كلام الناس. ويعطينا الرماني قاعدة عامة، تعرف بها بلاغة التشبيه في يسر وسهولة. فالتشبيه البليغ، يتحقق عنده في"إخراج الأغمض، إلى الأظهر بأداة التشبيه، مع حسن التأليف" (30) . واشتراط الرماني في التشبيه البليغ حسن التأليف، وانسجام العبارة واتساقها مع بقية أجزائها، رأي في غاية الوجاهة، لأن التشبيه لا تظهر قيمته الحقيقية، من حسن أو قبح، إذا كان مبتورا عن بقية العناصر الأخرى المؤلفة للعبارة. فللفظ دور في صياغة العبارة، وللمعاني مكانة في نظم العبارة. ولا يظهر حسن تأليف العبارة وبهائها، إلا إذا كان المعنى مكشوفا، واللفظ مناسبا، وكان كل لفظ من ألفاظ العبارة يخدم الآخر، ويضفي عليه مزيدا من الحسن"ورب لفظ واحد متنافر، لا انسجام بينه وبين غيره من الألفاظ، يطيح بالعبارة كلها، ويلقي بها من حالق، وإن كانت بقية عباراتها تزخر بالتشبيهات" (31) .

لقد أحس الرماني بقضية ائتلاف اللفظ والمعنى، وجعلها سببا في حسن التأليف وبلاغة التشبيه، وأدرك أن هذا التآلف ناتج عن"حسن النظم وعذوبة اللفظ وكثرة الفائدة وصحة الدلالة" (32) . فالتشبيه محاولة بلاغية جادة، لصقل الشكل وتطوير اللفظ، ومهمته تقريب المعنى إلى الذهن بتجسيده حيا، ومن ثم فهو ينقل اللفظ من صورة إلى صورة أخرى. فإن أراد صورة متناهية في الحسن والجمال"شبه الشيء بما هو أرجح منه حسنا، وإن أراد صورة متداعية في القبح والتفاهة شبه الشيء بما هو أردأ منه صفة" (33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت