وعلى هذا الأساس، فإن الرماني يرى أن جانبا كبيرا من بلاغة التشبيه، يرتد إلى إخراج الأغمض إلى الأظهر. ومعنى إخراج الأغمض إلى الأظهر، قدرة التشبيه على تصوير المعنى وتقديمه تقديما محسوسا، وذلك عن طريق ربطه المعنوي المجرد بالحسي العيني، أو ربط الصور الحسية بأخرى أشد منها تمكنا في الصفات الحسية، وهذا ما يجعله قريبا من مجال الإدراك الإنساني، ويجعله أكثر قدرة على التأثير والتأثر (34) . والتشبيه البليغ عند الرماني يقع على وجوه أربعة هي:
1 -الوجه الأول: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، كقوله تعالى {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} (35) فهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعدم الفاقة (36) . ولا ينسى الرماني الإشارة إلى ملاحظة هامة، وهي دقة اختيار القرآن الكريم لألفاظه في التعبير مع المعنى المراد بصورة أقوى وأبلغ فيقول"ولو قال يحسبه الرائي ماء، ثم يظهر أنه على خلاف ما قدر، لكان بليغا وأبلغ منه لفظ القرآن، لأن الظمآن أشد حرصا عليه وتعلق قلبه به، ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذي يصيره إلى عذاب الأبد في النار" (37) .
2 -الوجه الثاني: إخراج ما لم تجر به عادة، إلى ما قد جرت به، كقوله تعالى: {إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر} (38) ، فهذا بيان قد أخرج ما لم تجر به عادة، إلى ما قد جرت به، وقد اجتمعا في قلع الريح لهما وإهلاكها إياهما، وفي ذلك الآية الدالة على عظيم القدرة والتخويف من تعجيل العقوبة (39) .
3 -الوجه الثالث: إخراج ما لا يعلم بالبديهة، إلى ما يعلم، كقوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} (40) فهذا تشبيه قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة، إلى ما يعلم بها،