الصفحة 17 من 45

الوسطى، وهو يعني بذلك جميع كلام العرب، فليس الأمر على ذلك، ولا فرق بين القرآن وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضية، ومتى رجع الإنسان إلى نفسه، وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب، ما يضاهي القرآن في تأليفه. ولعل أبا الحسن يتخيل أن الإعجاز في القرآن لا يتم إلا بمثل هذه الدعوى الفاسدة" (65) . وهذا الاختلاف بين الرماني وابن سنان راجع إلى موقف كل منهما من إعجاز القرآن وفصاحته. فرغم وحدة المذهب، فإن الرماني يرى أن فصاحة القرآن، خرقت عادة العرب وخرجت عن مقدورهم، وجرت مجرى قلب العصا حية، ومن ثم كان القرآن في الطبقة العليا من البلاغة والتلاؤم. أما ابن سنان الخفاجي فيرى أن فصاحة القرآن من جنس فصاحة العرب، وفي مقدورهم لو لا صرف الله لهم عن معارضته. ولذلك فلا فرق بين فصاحة القرآن وبين الفصيح من كلام الناس. وهذا الكلام ظاهر الفساد، والصحيح ما قاله الرماني من أن القرآن في الطبقة العليا من التلاؤم، لأننا لا نجد في مختار كلام الناس من الأثر النفسي والعقلي والسمعي، ما نجده عندما نقرأ آيات من القرآن الكريم. فللقرآن الكريم روعة تأخذ القلوب وتهز النفوس، والذي لا يختلف فيه اثنان، أن جانبا من تلك الروعة يرجع إلى"جمال الإيقاع، ومعلوم أن ذلك الجمال الإيقاعي ينبع من التناسب بين العناصر الصوتية واللفظية، أي من الأصوات اللغوية والحركات والمقاطع الصوتية" (66) ."

وفي ختام هذا الوجه البلاغي نقول، إن التلاؤم اللفظي الذي انفرد به القرآن الكريم أكسب أسلوبه قوة وتماسكا عن طريق انسياب النغم وانسجام اللفظ في الآيات، فجاء القرآن في الطبقة العليا من التلاؤم. وهذا التلاؤم مع حسنه وبلوغ القرآن الكريم فيه الطبقة العليا، إلا أنه لا يقوم وحده صرحا للإعجاز، ما لم تعاضده أمور أخرى. وقد أحس الرماني بذلك فقال بعدما بين فائدة التلاؤم:"فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات، ظهر الإعجاز للجيد الطباع البصير بجواهر الكلام" (67) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت