الصفحة 16 من 45

ولا يمكن وصفها وكالملاحة. ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العلمين. نعم للبلاغة وجوه متلثمة، ربما تيسرت إماطة اللثام عنها لتجلى عليك، أما نفس وجه الإعجاز فلا" (61) . وفائدة التلاؤم عند الرماني ليست صوتية أو لفظية فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى المعنى فتجعل له قبولا في العقل وارتياحا في النفس، وفي ذلك يقول"والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس، لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة" (62) . ومعنى كلام الرماني، إسناد الفائدة إلى اللفظ والمعنى على السواء، فحسن النظم وتعديل الكلام، لا يتأتى إلا بالعناية بالألفاظ والمعاني، وذلك بوضع الألفاظ في مواضعها، فتأتي اللفظة بجانب أختها منسجمة متلاحمة، الشيء الذي يزيد المعنى وضوحا وكشفا وبهاء وحسنا. إلا أن الرماني كسلفه الجاحظ، يرى البلاغة الحقيقية في حسن الصياغة وجمال التصوير، يتجلى ذلك واضحا من خلال المثال الذي ضربه الجاحظ للتلاؤم، فمثله كمثل قراءة الكتاب في أحسن ما يكون من الخط والحرف. وقراءته في أقبح ما يكون من الحرف والخط، فذلك متفاوت في الصورة، وإن كانت المعاني واحدة (63) . فالسر كله في القدرة على الصياغة الجميلة، فإذا استطاع المتكلم أن يصوغ المعاني صياغة رائعة، وقدر على أن يبرزها في أسلوب عذب خالص من الشوائب كان الكلام بليغا متلائما."

والكلام عند الرماني على طبقات، متنافر ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا (64) . فالمتلائم في الطبقة العليا، أسلوب القرآن الكريم. والمتلائم في الطبقة الوسطى، كلام البلغاء من العرب. أما المتنافر فهو الكلام الذي يستثقله اللسان وتمجه الآذان. وقد رفض ابن سنان الخفاجي هذا التقسيم، فالكلام عنده، إما متنافر أو متلائم ولا واسطة. وتأليف القرآن وفصيح كلام العرب من المتلائم. يقول ابن سنان"وأما قوله (يعني الرماني) إن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا، وغيره في الطبقة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت