القصاص، أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة في (القتل أنفى) ، لبعد الهمزة عن اللام. وكذلك الخروج من الصاد إلى الحاء في {القصاص حياة} ، أعدل من الخروج من الألف إلى اللام في (أنفى للقتل) (58) .
وهذا الرأي يحيلنا على مذهب الجاحظ في التلاؤم، أجود الشعر عنده ما كان متلاحم الأجزاء سهل المخارج. ورديء الشعر ما كان مستكرها، لا يقع بعض ألفاظه ملائما لبعض، يكد على اللسان عند النطق به. يقول الجاحظ:"وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر، تراها متفقه ملسا، ولينة المعاطف سهلة، وتراها مختلفة متباينة ومتنافرة مستكرهة، تشق على اللسان وتكده، والأخرى تراها سهلة لينة ورطبة متواتية، سلسة النظام، خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد" (59) .
فالتلاؤم إذن، وصف لابد منه لكي يكون الكلام خفيفا على اللسان، مقبولا في الأذن، موافقا لحركات النفس، مطابقا لطبيعة الفكرة أو الصورة أو العاطفة التي يعبر عنها الكاتب أو الشاعر، وهناك أسباب أخرى يراها الرماني مؤدية إلى التلاؤم عائدة إلى الموهبة والفطنة والإحساس، إلى جانب قرب مخارج الحروف وبعدها حيث يقول:"وبعض الناس أشد إحساسا بذلك وفطنة له من بعض، كما أن بعضهم أشد إحساسا بتمييز الموزون في الشعر من المكسور، واختلاف الناس في ذلك من جهة الطباع، كاختلافهم في الصور والأخلاق" (60) . وهذا سبق من الرماني إذ أدرك أن إعجاز القرآن، إنما يدرك بالذوق الذي امتن الله به على عباده، كما امتن عليهم بالصور والأخلاق، فالذوق قدرة فطرية في النفس البشرية، تميز مواطن الجمال في الكلام من مواطن القبح، وهي مغروسة في الإنسان تنمو وتتطور معه وتختلف باختلاف النفوس وأحوالها وهيئاتها. وقد وجدنا من العلماء من اتجه نحو الذوق للكشف عن الإعجاز القرآني، كالسكاكي الذي يعتبر الإعجاز أمرا عجيبا،"يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن، تدرك"