للسر البلاغي في التعبير بالاستعارة، يقول الرماني"حقيقة قدمنا عمدنا، وقدمنا أبلغ منه، لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر، لأنه عاملهم من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم، وفي هذا تحذير من الاغترار بالإمهال. والمعنى الذي يجمعهما العدل، لأن العمد إلى إبطال الفاسد عدل، والقدوم أبلغ لما بينا. وأما هباء منثورا، فبيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة، إلى ما تقع عليه حاسة" (49) . ومثله أيضا قوله تعالى: {فاصدع بما تومر} (50) ففي الآية من بلاغة التعبير ودقة المعنى والتفنن في التصوير، ما لا نجده في الاستعمال الحقيقي، فلو قلنا (بلغ ما تومر به) لوجدنا فعل (بلغ) ، يضيق عن الإحاطة بالمراد من الآية"لأن الصدع بالأمر لابد له من تأثير كتأثير صدع الزجاج، والتبليغ قد يصعب حتى لا يكون له تأثير فيصير بمنزلة ما لم يقع. والمعنى الذي يجمعهما الإيصال، إلا أن الإيصال الذي له تأثير كصدع الزجاجة أبلغ" (51) .
فالاستعارة في الآية، هي التي كشفت أصالة ما يريد القرآن التعبير عنه، وكشفت عن إيحائية جديدة في الآية، لا يحس بها السامع في الاستعمال الحقيقي، بحيث يصبح لفظ الاستعارة متميزا لا يسد مسده لفظ آخر، ولا يشاكله تعبير مقارب، وبذلك بلغت الاستعارة في القرآن الكريم مرتبة الإعجاز. ويبدو من هذه الأمثلة التي تقدم بها الرماني، أن بلاغة الاستعارة القرآنية وإعجازها يكمن في قدرتها على تجسيم المعنوي، وتقديمه في صورة حسية ينفعل معه قلب وعقل القارئ والسامع. يقول الدكتور أحمد بدوي متحدثا عن تأثير الاستعارة القرآنية"وإذا أنت مضيت إلى الألفاظ المستعارة رأيتها من هذا النوع الموحي، لأنها أصدق أداة تجعل القارئ يحس بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه، وتصور المنظر للعين وتنقل الصوت للأذن، وتجعل الأمر المعنوي ملموسا محسا ... فقد يجسم القرآن المعنى، ويهب للجماد العقل والحياة، زيادة في تصوير المعنى وتمثيله للنفس،"