اللغة، وهو الأمر الذي عبر عنه بقوله"ومن الفضيلة الجامعة فيها، أنها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا، وتوجب له بعد الفضل فضلا، وإنك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد، حتى تراها مكررة في مواضع، ولها في كل واحد من تلك المواضع شأن مفرد وشرف منفرد، وفضيلة مرموقة، وخلابة موموقة، ومن خصائصها التي تذكر بها وهي عنوان مناقبها، أنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة درر" (46) .
وقد تناول الرماني الخصائص الفنية للاستعارة، كمقدمة لدراسة هذا الفن القولي في القرآن، حيث قال:"وكل استعارة حسنة فهي توجب بلاغة بيان لا تنوب منابه الحقيقة، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه الحقيقة لكانت أولى به، ولم تجز الاستعارة، وكل استعارة فلا بد لها من حقيقة، وهي أصل الدلالة على المعنى في اللغة" (47) . فالرماني ينص صراحة على أن أسلوب الاستعارة أقوى وأبلغ من أسلوب الحقيقة، ولو كانت الاستعارة تؤدي نفس المعنى الذي تؤديه الحقيقة، لكان التعبير بالحقيقة أجدى، والشاهد على أن للاستعمال الاستعاري من الفائدة والموقع الحسن ما ليس للاستعمال الحقيقي، ما جاء في القرآن الكريم من الاستعارة على جهة البلاغة، وما تحدثه من تأثير يتداعى إلى القلوب والنفوس عند سماع التعبير بالألفاظ التي دخلتها الاستعارة. فقوله تعالى {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} (48) أبلغ وأحسن مما قصد له من قوله لو قال (عمدنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) . فالاستعارة في لفظ (قدمنا) ، قد حققت في الآية دلالة لا يمكن استيعابها في لفظ عمدنا لو استبدلت بها، ولبقيت الصورة المرادة غير ماثلة للعيان كما هو الحال مع الآية. وبهذا الفهم العميق مضى الرماني يحلل الآية الكريمة تحليلا رائعا، موضحا حقيقتها ليبين فضل الاستعارة ووجه بلاغتها، وسر الجمال في التعبير بلفظ (قدمنا) بدلا من (عمدنا) . فكل ذلك يجعل القارئ متمثلا