ثم إن علماء الإسلام ما سموه قرآنا إلا لما كان متلوا بالألسن، وما سموه كتابا إلا لما كان مدونا بالأقلام.
وفي الجمع بين الاسمين، تتبين لنا لطيفة مهمة، هي أن القرآن من حقه - إذا أردنا تحقيق الحفظ الإلهي بكونيه وشرعيه - أن يحفظ في موضعين لا في موضع واحد.
الأول في الصدور والثاني في السطور عسى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.
يقول الدكتور محمد عبد الله دراز: (فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول أمرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.) [1] .
ونظير قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [2] ، قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} [3] ، فحفظ النبي صلى الله عليه وسلم محكوم بهذه الثنائية، فالحفظ الشرعي يتجلى في بيعة الأصحاب رضوان الله عليهم على نصرته والمحاماة عنه، ومعاداة من عاداه، والسمع والطاعة له، وبذل النفوس والأموال دونه مصداقا لقوله تعالى: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} ، وكذلك قوله تعالى: {وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} [4] .
ثم في نصرته بعد مماته، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته، ونشر سنته ونفي التهمة عنها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، بالرفق واللين مع بذل الغالي والنفيس في ذلك.
والحفظ الكوني يتجلى في حفظ الله تعالى لنبيه الكريم من كل مؤامرة، وكل أحداث السيرة النبوية دالة على ذلك، ولعلها أولها هي تلك التي عقدها المشركون في دار الندوة للقضاء على الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يفلحوا وعادوا خائبين، فقوله تعالى قدم لنا صورة حية عن عظم المؤامرة، ولكن حفظ الله تعالى كان أعظم، قال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وهو خير الماكرين} [5] ، نلحظ في ختامها طمأنة الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فرغم محاولة المشركين اعتقال الرسول صلى الله عليه وسلم"ليثبتوك"أو القضاء عليه"أو يقتلوك"، أو النفي خارج البلد
(1) - النبأ العظيم. مرجع سابق. ص: 13.
(2) - سورة الحجر. الآية 9.
(3) - سورة المائدة. الآية 67.
(4) - سورة الحشر. الآية 9.
(5) - سورة الأنفال. الآية 30.