الصفحة 10 من 28

ولنعلم علم اليقين، الذي شهدت به العين، وأقره المنطق والعقل أنه لم يتحقق هذا الحفظ لكتاب ما مثل ما حفظ الله تعالى كتابه، فما من كتاب على وجه الأرض إلا دخله التحريف، وعمره التصحيف إما في كثير أو في قليل، ثم إنه جاء مصدقا ومهيمنا عليها، (فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادا مسدها، ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة وإذا قضى الله أمر يسر له أسبابه، وهو الحكيم العليم.) [1] .

أما الحفظ الشرعي، فباستقراء أدلة الشرع الحكيم، يظهر لي أن المسلمين هم كذلك مطالبون بتحقيق هذا الحفظ، تأدية للواجب الديني وإبراء للذمة أمام الله تعالى، وأمام الصالح العام.

وهذا من جهتين، فالأولى:

من حيت قبول القرآن والاعتراف به شريعة ومنهاج حياة، والاحتكام إليه، والوقوف عند أوامره ونواهيه، ونفي تحريف المبطلين عنه، و بيان تأويل الغالين فيه، وكشف تزييف الزائفين منه.

ودوام دراسته، والتخلق بأخلاقه، وتعظيمه، وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته، والدعاء إليه، وبذل المهج في ذلك، إلى غير ذلك من الأمور التي الغاية منها تحقيق النصح لكتاب الله تعالى، والعمل على حفظه وتعظيمه.

أما الجهة الثانية، فكلنا يعلم الأهمية القصوى التي أولها علماء الإسلام لنظرية التلقي عن الشيخ، والتي استخلصوها من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الآمرة والحاثة على تعلم القرآن وتعليمه وفهم معانيه، وذلك من خلال التأكيد عليها وشرح أسسها ومفاهيمها، فالقرآن الكريم كتاب ليس كغيره من كتب العلوم الإسلامية، بل هو الرحى الذي تدور عليه هذه العلوم.

وهو أصل هذه النظرية، إذن لابد لحافظه من عالم محقق ضابط عارف بمناهج الحفاظ، يبعده عن المخالفة واضطراب الحفظ، واعتماد الحفظ الذاتي دون الرجوع إلى الشيخ أو العالم موقع في الخطأ والخطيئة.

ثم إن التحصيل على الأشياخ ليس بكاف، لابد من إدامة النظر في الكتاب وإكثار القراءة، وكذلك التحصيل من القرآن مباشرة لا يسلم صاحبه من الزلل، بل لابد من العرض على الشيخ، فقط لبيان أهمية الجمع بين الشيخ والكتاب وضرورة هذه الثنائية لأي متعلم يريد حفظ كتاب الله تعالى.

(1) - النبأ العظيم. د. محمد عبد الله دراز. دار القلم. الكويت. ط 6. 1405 هـ / 1984 م. ص: 13 - 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت