وإنها لمهمة صعبة، إذ لا يمكن عمل ذلك من دون إثارة سؤال: ماذا نعني بكلمة"تحريف"، وبكلمة"قرآن"؟ .. مع العلم أني لا أريد الوقوف طويلًا عند العتبات متتبعا العراك المصطلحي على المبدأ المستهدف إنجازه [1] .
أقول مستعينا بالله المعين:
لعل أدنى استقراء لأدبيات العديد من المدارس اللغوية والفكرية في كيفية صياغتها ووضعها لمصطلح التحريف، يدفعني إلى القول أن ثمة إشكال علمي تأسس على الاختلاف الحاصل حول طبيعة التحريف من حيث تعلقه بالمعنى، أو بالمعنى والمبنى معا.
وعند تناولنا للمصطلح لغة وشرعا وفي اصطلاح العلماء، تبين أن منشأ الخلاف، قائم بالأساس على مرجعية عقدية سنتحدث عنها في حينها، ولبيانه كان لزاما التمثيل بالتحريف الحاصل في التوراة، للعلاقة الجدلية بين التنظير و التطبيق.
قال ابن القيم رحمه تعالى:
( ... اختلفت أقوال الناس في التوراة التي بأيديهم هل هي مبدلة، أم التبديل والتحريف وقع في التأويل دون التنزيل
على ثلاثة أقوال: طرفين، ووسط.
فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها أو أكثرها مبدلة مغيرة، ليست التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، وتعرض هؤلاء لتناقضها وتكذيب بعضها لبعض،
وغلا بعضهم فجوز الاستجمار بها من البول.) [2] .
وذهبت (طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام فقالوا: بل التبديل وقع في التأويل لا في التنزيل.) [3] .
ثم قال (وتوسطت طائفة ثالثة، وقالوا: قد زيد فيها وغير ألفاظ يسيرة، ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه، والتبديل في يسير منها جدا.) [4] .
وإنه عند التأمل، ظهر لي والله أعلم أن أقوال الناس في هذا الأمر تؤول إلى طائفتين:
(1) - في هذا الملخص، لم ألتزم بتضمينه أقوال العلماء في تعريف القرآن الكريم، وإنما التحدث عن قضية الحفظ الإلهي له.
(2) - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان. ابن قيم الجوزية. تحقيق محمد سيد كيلاني. مكتبة التراث. ب ت ط. ج 2. ص: 345.
(3) - نفسه. ج 2. ص: 384.
(4) - نفسه. ج 2. ص: 348.