طائفة قالت بالتحريف في المعنى فقط، وأخرى قالت به في اللفظ والمعنى معا، لأن القول عند هذه الأخيرة بالكل أو الأغلب أو اليسير هو القاسم المشترك والجامع للقول بتحريف اللفظ والمعنى معا [1] ، على اعتبار أنه من الناحية الإجرائية قول مقبول، لكن عند التمحيص يظهر التفاوت ليصبح القول الواحد قولان عند هذه الطائفة.
ونجد في الطائفة الأولى، كلا من الإمام البخاري، وابن تيمية، والفخر الرازي، والمحدث الهندي شاه ولي الله الدهلوي.
فكل منهم اختار هذا المذهب ووهن غيره، فالبخاري روى في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه، قوله ( ... يحرفون: يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله تعالى، ولكنهم يحرفونه، يتأولونه على غير تأويله) [2] .
وابن تيمية جاء لمخالفيه بخمسة عشر نقلا به، يبين فيه صحة مذهبه [3] ، في حين ذهب الفخر الرازي إلى أن التأويل الباطل أولى في تفسيره للتحريف، لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه تغيير اللفظ [4] ، أما شاه ولي الله الدهلوي، فإنه تحقق لديه أن تحريفهم اللفظي إنما كان في ترجمة التوراة وما يجري مجراها، لا في أصل التوراة [5] .
ثم استدلوا بالآيات المادحة للتوراة نحو قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدي ونور يحكم بها النبيون} [6] ، وقوله كذلك: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} [7] ، وقوله تعالى: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [8] ، ومن السنة بتكريمه صلى الله عليه وسلم للتوراة، والاحتكام إليها، ووجود آية الرجم فيها.
(1) - لأن تحريف اللفظ متضمن لتحريف المعنى، ولابن القيم كلام ممتع في مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة. تحقيق سيد إبراهيم. دار الحديث. 1414 هـ / 1994 م. ص: 367.
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري. ابن حجر العسقلاني. دار السلام. دار الفيحاء. ط 1. 1418 هـ / 1997 م. م: 13. كتاب التوحيد. باب 55. ص: 640.
(3) - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان. مرجع سابق. ص: 347.
(4) - التفسير الكبير ومفاتيح الغيب. الفخر الرازي. دار الفكر. ط 3. 1405 هـ / 1985 م. م 6. ج 11. ص: 191.
(5) - الفوز الكبير في أصول التفسير. الإمام ولي الله الدهلوي. عربه من الفارسية سلمان الحسيني الندوي. الطبعة الثانية. 1407 هـ / 1986 م. ص: 45.
(6) - سورة المائدة. الآية: 44.
(7) - سورة المائدة. الآية: 43.
(8) - سورة آل عمران. الآية: 93.