وجاؤوا بأدلة عقلية تفيد استحالة التحريف اللفظي، منها القول بكثرة نسخ التوراة والتي لا يعلم عددها إلا الله تعالى، ومن الممتنع أن يقع التواطؤ في التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ بحيث لا تبقي في الأرض نسخة إلا مبدلة ومغيرة والتغيير على منهاج واحد وهذا يحيله العقل ويشهد ببطلانه، ثم قالوا باستحالة تحريف اليهود للصفة والحكم، فالحكم ثبت مرة بشهادة أحد أحبارهم وهو ابن صوريا، ومرة بإخفاء آية الرجم باليد، أما الصفة، فالله تعالى ذمهم لكتمانهم ذلك الأمر، وكانوا إذا احتج عليهم بما في التوراة من نعته وصفته يقولون: ليس هو، ونحن ننتظره.
أما الطائفة الثانية، فيذهب أصحابها إلى أن التوراة الحالية التي نزلت على موسى عليه السلام، (كلها أو أكثرها قد بدل وغير) [1] ، حتى إنك لا تجد أدنى (تطابق بينها وبين التوراة الموجودة بين أيدي الناس اليوم .. والشذرات القليلة المنبثة هنا وهناك من التوراة الحقيقة والتي تضيء بنورها بين هذا الركام من المزابل هي مثل اللؤلؤة أو الجوهرة أو الألماسة في مزبلة.) [2] .
في حين يستدركون على الطائفة الثانية قولهم بكثرة نسخ التوراة واستحالة وقوع التواطؤ على التبديل والتغيير، فهذا يدحضه الاختلاف في نسخ التوراة، فمن حيث الشكل،( ... هناك نسخ عديدة للتوراة، تختلف بعضها عن بعض في عدد الأسفار.
فهناك النسخة الكاثوليكية وهي 46 سفرا أي بزيادة سبعة أسفار على النسخة البروتستانتية التي هي 39 سفرا، ومعنى ذلك أن الأسفار السبعة عند البروتستانت محرفة مزيفة، وهي صحيحة ومنزلة من عند الله عند الكاثوليك.
بالإضافة إلى هاتين النسختين، هناك النسخة السامرية، وهي سبعة أسفار فقط، مما يعني أن الأسفار الأخرى عند السامريين من اليهود محرفة مزيفة، وأن الصحيحة المنزلة منها تلك السبعة فقط، وهناك نسخ أخرى مثل النسخة السبعينية) [3] .
أما من حيث المضمون، فإن ( ... كل تلك النسخ كثيرا ما يختلف في محتواها ومعانيها، وتتناقض بعضها مع بعض، فكيف نقول بتطابق النسخ وتشابهها، ونستدل بذلك على عدم تحريفها؟) [4] ، وهناك
(1) - المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم. د. محمد علي البار. دار القلم، دمشق. الدار الشامية، بيروت. الطبعة الأولى. 1410 هـ / 1990 م. ص: 119.
(2) - نفسه. ص: 119.
(3) - التوراة بين تحريف اللفظ وتحريف المعنى مع دراسة لكاتبها"عزرا". د. عبد الرؤوف محمد أحمد أحمدي. ص: 163 - 137. مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية. السنة: 16. العدد: 45. ربيع الأول 1422 هـ / يونيو 2001 م.
(4) - نفسه. ص:137.